تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 49
رَبِّكَ) في الآخرة (كَأَلْفِ سَنَةٍ) لا باعتبار شدة العذاب تجوّزا بل (مِمَّا تَعُدُّونَ) امهاله إلى تلك المدة ليس دليل الاهمال فانه
(وَكَأَيِّنْ) أي كم (مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ) أي أمهلت (لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ) لتزداد ظلما (ثُمَّ أَخَذْتُها وَ) لا يفوتنى بالامهال شيء إذ (إِلَيَّ الْمَصِيرُ) فإن زعموا انه تخويف محض
(قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ) أي الذين نسوا مقصود البعثة وهو الانذار لتخليص الخائف وإهلاك الآمن (إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ) بإقامة الدلائل ورفع الشبه فذلك الانذار لا بد وأن يكون محققا كيف والانذار انما يتم بالايفاء بما يترتب عليه
(فَالَّذِينَ آمَنُوا) أي صدقوا بهذا الانذار (وَ) اعتقدوا ايفاءه لذلك (عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لما خافوا من كفرهم ومعاصيهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) جزاء على إيمانهم وأعمالهم
(وَالَّذِينَ) لم يصدقوا بهذا الانذار بل (سَعَوْا) في إبطال (آياتِنا) الدالة على وقوعه (مُعاجِزِينَ) أي قاصدين تعجيز اللّه عن إقامة الآيات على ذلك (أُولئِكَ) البعداء عن مقصود البعث (أَصْحابُ الْجَحِيمِ) أي ملازموها لا مغفرة لهم ولا رزق كريم أبدا كيف والسعى في آيات اللّه ليس دون فعل الشيطان بالتخليط في الوحى الالهى مثل ما روى انه عليه السّلام لما رأى اصرار قومه تمنى أن يأتيه من اللّه ما يقاربهم فأنزل اللّه تعالى سورة النّجم فقرأها عليه السّلام على قريش حتى بلغ أ فرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشيطان في أسماع الحاضرين وأوهمهم أنه جرى على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ولم يعلم عليه السّلام بذلك لاستغراقه في أمنيته ففرح بذلك قريش وسجد الكل في آخر السورة فأتاه جبريل عليه السّلام وقال يا محمد ما ذا صنعت لقد تلوت ما لم آتك به من اللّه فخزن عليه السّلام حزنا شديدا وخاف خوفا عظيما فأنزل اللّه تعالى
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) صاحب شرع خاص (وَلا نَبِيٍّ) بعث للدعوة إلى شرعه أو شرع غيره (إِلَّا إِذا تَمَنَّى) أن ينزل اللّه ما يقارب المصرين على الضلال (أَلْقَى الشَّيْطانُ) في أسماع الحاضرين كلاما يوهم انه كلام الرسول أو النبى ولا يعلم بذلك لكونه (فِي أُمْنِيَّتِهِ) ولا يبطل هذا الثقة بكلامه لأن اللّه تعالى يظهره (فَيَنْسَخُ) أي يذهب (اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ) لا يترك احتمال ذلك في بقية كلامه سيما في الكلام المعجز إذ (يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) باظهار الفرق بين كلامه وكلام الشيطان وكيف لا ينسخ ولا يحكم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بما في ترك النسخ والاحكام من الاخلال بمقصود البعثة (حَكِيمٌ) لا يترك الخلل ولا يخل بعلمه وحكمته تمكين الشيطان من الالقاء فانه مكنه
(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) من كلامه على اسماع الحاضرين موهما انه كلام الرسول أو النبى (فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) فلا يقدرون على التمييز بين كلام الشيطان وبين كلام الرسول أو النبى (وَ) لو أمكن معالجتهم فلا يمكن معالجة (الْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) لأن مرضهم مزمن (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) القائلين بأنه رجع إلى الحق الذي هم عليه ثم ندم (لَفِي شِقاقٍ) أي خلاف للحق (بَعِيدٍ) عن موافقته جدا لأنهم جعلوا الشر خيرا والخير شرا وجعلوا شركاء الحق شفعاء عنده
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) فعلموا ما هو الرشد وما هو الغى في نفسه (أَنَّهُ) أي ما أحكم منه هو (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ)