تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 51
حقيقة (وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ) فالشدة على من ظلم من أجله ليست بشدة بالحقيقة (وَ) لو لم يكن اللّه هو الحق وما يدعون من دونه الباطل فلا شك (أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) فالظلم على من ظلم من أجله أعلى والشدة على الظالم لاجل الباطل حقيرة وكيف لا ينصر المظلوم من اجله مع أن حق من كان معه ان يعلو على غيره ويعظم قدره على قدره فإن زعموا ان اللّه لا يبالى بالمظلوم لحقارته فكيف يعتنى بنصره أجيبوا بان غاية حقارة المظلوم أن يكون كالأرض الميتة واللّه يعتنى بها
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) اعتناء بالأرض الميتة (فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) فلا يبعد أن يعتنى بنصر المظلوم من أجله فيجعله مخضرا بعد ما أماته بالحقارة وليست حقارته استعدادا مانعا من النصر لأن الاستعداد أمر خفى لا يطلع عليه الا اللّه (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ) يدرك الخفيات لأنه (خَبِيرٌ) يطلع على البواطن ولا يحتاج في نصره إلى تحقق سببه عنده إذ
(لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) فله أن يستعمل أي سبب شاء من السماء أو الأرض في نصره بل لا حاجة له إلى السبب (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ) ولا يتوقف حمده على استعمال السبب لأنه (الْحَمِيدُ) بكل حال ولا مانع له من نصره إذ كل ما فرض مانعا فهو مسخر له بل يجوز أن يجعله مسخرا لمن يريد نصره
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَ) سخر لكم البحر حتى ان (الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ) لمنافعكم (وَ) كيف يمنعه مانع ولم يمنعه ثقل السماء من امساكها إذ (يُمْسِكُ السَّماءَ) كراهة (أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) بل لا فعل لثقلها بدونه فلو خليت بحالها لم تقع (إِلَّا بِإِذْنِهِ) لكنه لا يأذن لرأفته (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ) فحقه أن يتوكل عليه لا على الأسباب ليرحمه مزيد رحمته لأنه (رَحِيمٌ وَ) لا يخل برأفته ورحمته اماتته بل
(هُوَ الَّذِي) باعتبار رأفته ورحمته (أَحْياكُمْ) ليفيدكم بالمحسوسات التي تستنبط منها المعقولات (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) ليكمل لكم فوائد المعقولات بكمال التجرد (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) ليجمع لكم بين كمال فوائد المحسوسات والمعقولات فالاحياء الثاني المترتب على الموت من كمال الرأفة والرحمة يوجب أتم وجوه الشكر لكن الإنسان يكفر به فكأنه يكفر بالجميع (إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ) ولترتب أكمل الحياة على الموت
(لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا) يشبه موت أنفسهم ويفيدهم ما يشبه فوائد الحياة الأخروية من المكاشفات (هُمْ) لعلمهم بتلك الفوائد (ناسِكُوهُ) وإن كرهوا الموت وإذا كوشف لهم بهذه النسك فوائد تلك الحياة (فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ) أي أمر مكاشفة الأمور الأخروية (وَادْعُ) لتحصيل تلك الفوائد لهم (إِلى رَبِّكَ) المفيد لهم اياها بكمال اهدائك (إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) فزعموا ان هداك يخالف هدى من تقدمك
(وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) أي بمصالح أعمالكم في كل وقت فيأمركم فيه بما هو أصلح لكم فإن أصررتم على ان المصالح كلها في أعمالكم
(اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ) إذ يعذبكم على خطاياكم (يَوْمَ الْقِيامَةِ) فانه الفاصل (فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) وقد خالفتم من تقدمكم من الأمم فإن زعموا أن الاحكام أزلية لا تقبل التغيير كالتغيير في العلم بالحوادث اليومية قيل
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ) من اختلاف الاوضاع والاكوان وقد