تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 57
(نادِمِينَ) على تكذيبهم ندما دائما بدوام العذاب عليهم
(فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ) أي أحاطت بهم (بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ) بتلك الصيحة لتفريقها عناصرهم (غُثاءً) أي نباتا يابسا لبعدهم عن رطب فيض اللطف الالهى (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) برد ذلك الفيض عنهم
(ثُمَّ) لم نترك الابتلاء بل (أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ) للابتلاء بركوب أفلاك الاعتقادات وظهور دواب الأعمال (قُرُونًا آخَرِينَ) لم يذكر الرسل ههنا إذ لم يكن فيهم صاحب سفينة ولا دابة وأجلنا لكل امة أجلا ليتعلم دلائل الاعتقادات وكيفيتها وهم وان أهملوا ذلك لم يستعجل بعقابهم
(ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها) اتماما للحجة عليها (وَما يَسْتَأْخِرُونَ) لأنه يشبه الاهمال ولكن تخللت المدة بين كل قومين من هؤلاء
(ثُمَّ أَرْسَلْنا) إلى أمم بعدهم (رُسُلَنا تَتْرا) كل واحد عقيب الآخر بلا تخلل مدة لئلا ينسى عهد السابق فلم يبال المتأخرون قرب هلاك المتقدمين بل (كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ) ولم نترك مقتضى ابتلائنا (فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا) في الإهلاك (وَ) لم نجعلهم منسيين بل (جَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) لكنهم بعدوا عن اعتبارها فأهلكوا بالابعاد عن اللطف (فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) بتلك الاحاديث المتواترة المتكاثرة
(ثُمَّ) بعد ارسال الرسل المتعاقبين بلا تخلل مدة (أَرْسَلْنا) على سبيل المعية (مُوسى وَأَخاهُ) لتأييده (هارُونَ) سماهما وان لم يكن لهما في الظاهر سفينة ولا دابة لكن كثر لهما السفن المعنوية إذ كان ارسالهما (بِآياتِنا) أي معجزاتنا القاهرة (وَسُلْطانٍ مُبِينٍ) أي حجة ظاهرة
(إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ) ليركبوا سفن الاعتقادات الصحيحة (فَاسْتَكْبَرُوا) على المعتقد فيه فلم يبالوا تصحيح الاعتقادات فيه وفاسده (وَ) اغتروا في ذلك بأنهم (كانُوا قَوْمًا عالِينَ) فرأوا اعتقاد الهية اللّه تعالى نزولا سيما بقول رسله
(فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا) في البشرية (وَ) دوننا في الرتبة إذ (قَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ) فكان إيماننا بهم انقياد المعبود للعابد فكان هذا داعيا لهم إلى تكذيبهما
(فَكَذَّبُوهُما) مع ظهور صدقهما (فَكانُوا) باستهانة اللّه واستهانة من عظمه بآياته وحججه واستعبادهم (مِنَ الْمُهْلَكِينَ) في بحر القلزم أو النيل لعدم ركوبهم سفينة النجاة المعنوية وانقطاع طريق البر عليهم لوقوعهم في بحر فساد الاعتقاد المانع من صحة الأعمال
(وَ) كان لموسى أيضا دواب الأعمال لانا (لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ) الجامع للأعمال (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) بعمل من تلك الأعمال أو باعتقاد من تلك الاعتقادات التي دل عليها بسلطانه المبين
(وَ) لما كان الاهتداء بذلك اهتداء بما هو خارج عن موسى (جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) التي هي أصله (آيَةً) في أنفسهما إذ ظهرت عليهما الكرامات في الصبا فلم يهتدوا بهما أيضا بل اخرجوهما من البلاد ومنعوهما الطعام والماء (وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ) أي مكان مرتفع لا يخاف فيه من ايذائهم (ذاتِ قَرارٍ) لكثرة المطاعم فيه (وَمَعِينٍ) أي جار من الماء قيل هي الرملة وقيل فلسطين وقيل بيت المقدس ولم يكن تنفرهم عنه لمنعه اياهم من المشتهيات فانه وان كثرت الرهبانية في أمته لم يأمرهم بذلك إذ لم يأمر به الرسل بل قلنا لهم
(يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ) لئلا يمتنع عنها أتباعكم فينفر الناس عنكم (وَ) لكن لا تفرطوا فيه بحيث يمنعكم