تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 58
من العبادات بل اجعلوها قوّة على العبادات (اعْمَلُوا صالِحًا) شكرا عليها لتزدادوا منى النعم (إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) فاعلم بما يقتضى أعمالكم من مزيد الانعام عليكم
(وَ) لا ينفر عن متابعتكم اختلاف أديانكم بل (إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ) في كل عصر (أُمَّةً واحِدَةً) يكفى اتفاقها على دين وان خالفت الأمم السابقة (وَ) لا بأس بذلك الاختلاف إذ (أَنَا رَبُّكُمْ) الذي ربيت أهل كل عصر بدين (فَاتَّقُونِ) ان تخالفوا أمرى الذي يفيدكم امتثاله فوائد التربية
(فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا) أي فجعلوا أمر دينهم قطعا مختلفة من عند أنفسهم فاخذ كل فرقة بملة لا بدليل بل يميلهم إليه (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) اعجابا بما عندهم من الرأى
(فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ) أي فاتركهم في عمايتهم (حَتَّى حِينٍ) أي إلى حين يكشف عنهم الحجب بالموت ومما زاد فرحهم امدادهم اللّه تعالى بأموال وبنين على ما هم عليه
(أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ
نُسارِعُ) أي نبالغ به (لَهُمْ فِي) افاضة (الْخَيْراتِ) ليس كما يحسبون (بَلْ لا يَشْعُرُونَ) ان امداد المصر على المعاصى بالنعم استدراج له لازدياد النقم على ان الفرح ضد سبب المسارعة في الخيرات وهو الخشية
(إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ) غلبة (خَشْيَةِ رَبِّهِمْ) الذي رباهم بالنعم ان يسلبها عنهم ويذيقهم بدلها النقم (مُشْفِقُونَ) متضرعون
(وَ) انما تم لهم هذا الاشفاق لأنهم (الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ) الدالة على كمال قدرته وعلمه وحكمته (يُؤْمِنُونَ) انما تم لهم الإيمان بالآيات لأنهم
(وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) فلا يجعلون لغيره قدرة على ايجاد آية والمكذب يجعل للغير تلك القدرة المخصوصة باللّه
(وَ) من غاية اشفاقهم انهم (الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا) من العبادات حقوقها (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أي خائفة ان تنسى شيأ من الحقوق فلا يظهر الا إذا رجعوا إلى اللّه تعالى فهم يخافون (أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) المبالغون في الاشقاق
(أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي يبالغون في تحصيلها (وَ) إذا أمدهم اللّه مع ذلك بمال وبنين (هُمْ لَها سابِقُونَ) أي يسبق تحصيلهم لها على تحصيل المشتهيات
(وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا) في ايفاء الحقوق للمسارعة في الخيرات (إِلَّا وُسْعَها) لا الرهبانية (وَ) لا بأس بزيادة ما لا يخالف الشرع إذ (لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ) وإن عملوا به من عند أنفسهم لا يفوتهم ثوابه إذ (لا يُظْلَمُونَ) وهؤلاء الممدودون بالأموال والبنين لا يسارعون في الخيرات إذ أصروا على المعاصى إذ لا يبالون بالجزاء
(بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ) أي عماية (مِنْ هذا) الجزاء (وَ) لو التفتوا إليه (لَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ) أي مجاوزة لما في الكتاب اختاروها إذ (هُمْ لَها عامِلُونَ) قبل نزوله وبعده إلى وقت المؤاخذة
(حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ) أي متنعيمهم بصرف الأموال والأولاد في المشتهيات المحرمة (بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي يستغيثون فيقال لهم
(لا تَجْأَرُوا) فانه وان كان يفيدكم يوما قبل هذا لا يفيدكم (الْيَوْمَ إِنَّكُمْ) لا تتخلصون (مِنَّا) إذ (لا تُنْصَرُونَ) إذ لم يبق للشفاعة دخل فانه
(قَدْ كانَتْ آياتِي) الدالة على هذه المؤاخذة المؤبدة (تُتْلى عَلَيْكُمْ) واحدة بعد أخرى لتدبروا فيها (فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أي ترجعون قهقرى عن سماعها فضلا عن تدبرها ولم يكن رجوعكم لظهور نقص فيها