تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 66
حبيبة حبيب اللّه مع انه نهى عن غيبة آحاد المؤمنين وقذفهم (سُبْحانَكَ) من ان تحبب إلى حبيبك من يأتيه بالمنقصة من جهته (هذا بُهْتانٌ) أي كذب يتحير فيه (عَظِيمٌ) ولكونه بهتانا عظيما في حق من يجب تنزيه اللّه أن يوقع فيه النقيصة به
(يَعِظُكُمُ) أي ينهاكم (اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا) وتذعنوا (لِمِثْلِهِ أَبَدًا) ما دمتم مكلفين تستمعون فيه هذا الوعظ البتة (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ليس النهى عنه على سبيل التعبد المحض بل
(وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) الدالة على وجوه قبحه (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بوجوه أخر من القبح فيه (حَكِيمٌ) لا يبين منها الا ما يقبله الكل ويكفى من قبائحه ان فيه حب اشاعة الفاحشة في اخص أهل بيت رسول اللّه وهو دون حب اشاعتها في العامة
(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ) أي تنتشر (الْفاحِشَةُ فِي) عوام (الَّذِينَ آمَنُوا) لينتقض عرضهم (لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا) بالجلد ورد الشهادة (وَالْآخِرَةِ) بالنار وكيف لا يعظكم اللّه (وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ما في اشاعتها من المفاسد كافساد ما بين الزوجين وقطع النسل والطعن في النسب (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) والجأهل لا بد وان يعظه العالم
(وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) ما وعظكم (وَ) لولا (رَحْمَتُهُ) عليكم لعذبكم قبل ان يعظكم (وَ) لولا (أَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ) لما نهى عما يؤدى إلى المفاسد ولو لا انه (رَحِيمٌ) لما نبه على تلك المفاسد وانما كان لمحبى اشاعة الفاحشة في المؤمنين هذا العذاب لأنه من أعلى مراتب متابعة خطوات الشيطان
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) مقتضى إيمانكم معاداة الشيطان ومخالفته في كل ما يرضاه (لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ) أي آثاره (وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ) ربما ينتهى إلى حيث (يَأْمُرُ) الناس (بِالْفَحْشاءِ) أي القبائح الشنيعة (وَ) لو لم يامر بها امر بشيء من (الْمُنْكَرِ) الذي ينكره العقل والشرع (وَ) ان لم يأمر فلا اقل من ان يتأثر في نفسه ولا يخلو منه سوى من خص بفضل اللّه وبرحمته فانه (لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بافاضة الأخلاق الفاضلة (وَرَحْمَتُهُ) بتوفيق الأعمال الصالحة (ما زَكى) أي ما طهر عن الرذائل او الأفعال القبيحة وان كان (مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) أي في وقت من الاوقات لاستيلاء الشيطان عليكم أو باستيلاء الشهوات والغضب عليكم (وَلكِنَّ اللَّهَ) لكمال قدرته (يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ) مع وجودهما فيه (وَ) ليس ذلك على سبيل التحكم بل بحسب استعدادات الحقائق لسماعه دعواتها وعلمه بمقتضياتها إذ (اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) اقل آثار الشيطان المنع من الخير سيما إذا عظم وقد عرض فيه مانع من الغضب أو الشهوة
(وَلا يَأْتَلِ) أي لا يقصر (أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) أي اصحاب الأخلاق الفاضلة والقلوب الواسعة للصبر (أَنْ يُؤْتُوا) أرزاق (أُولِي الْقُرْبى وَ) مع ذلك كانوا (الْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فإن من اتصف باحدى هذه الاوصاف لا ينبغى ان يقصر في حقه فكيف في حق من جمعها (وَ) لو نظروا إلى ما صدر عنهم (لْيَعْفُوا) أي ليجاوزوا (وَ) لو نظروا إلى ان العفو عنهم كاف في الاحسان إليهم (لْيَصْفَحُوا) أي ليعرضوا عن هذا النظر ولينظروا إلى ما بينهم وبين اللّه من المعاصى (أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَ) لا يبعد أن يغفر للغافر حيث تخلق بأخلاقه إذ (اللَّهُ غَفُورٌ)