تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 69
لا يتصور بنكاح من لا صلاح له من الاحرار بل يكون داعيا له إلى الصلاح (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) قيد بهم إذ غير الصالح يقصر بالنكاح في خدمة مولاه أو عبادة اللّه لاشتغاله بأمر أهله فلا يندب تزويجه ثم أشار بأن عدم الصلاح وان كان كالمانع عن ندب النكاح فالفقر غير مانع منه فقال (إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ) عن المهر والنفقة (يُغْنِهِمُ اللَّهُ) بعطاء (مِنْ فَضْلِهِ) بأن يعطيهم مالا أو صبرا (وَ) لا يمنعهم من ذلك ان لا يروا انفسهم أهلا للفضل إذ (اللَّهُ واسِعٌ) فإن ضيق فلعلمه بأن الغنى يطغيهم لأنه (عَلِيمٌ) هو وان توسع على هؤلاء لا يتوسع على أهل الزنا لذلك
(وَلْيَسْتَعْفِفِ) أي ليجتهد في العفة (الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا) إذ لا يرغب فيهم لفقرهم (حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ) بعطاء (مِنْ فَضْلِهِ) مالا للزوج أو صبرا للزوجة ثم اشار إلى انه يمكن للسيدان يغنى العبد من فضله وان كان لا يملك بتمليكه شيأ بأن يكاتبه فقال (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ) أي الكتابة (مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) قنا أو مدبرا أو مستولدة (فَكاتِبُوهُمْ) وهو ان يقول السيد كاتبتك أي جعلت عتقك مكتوبا على نفسى بمال كذا تؤديه في نجوم كذا ويقبل العبد ذلك فيصير مالكا لمكاسبه ولما يوهب له وانما وجب معه الامهال لأن الكسب لا يتصور بدونه واشترط النجوم لئلا تخلو تلك المدة عن الخدمة وعوضها جميعا (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا) كالامانة لئلا يؤدوا النجوم من المال المسروق والقدرة على الكسب فلا يندب عند عدم ذلك وكذا لو امكن تحصيله بالصدقة لأنها من اوساخ الناس (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) خطاب للسادات بالحط وللاجانب بإعطاء الزكاة وان كان السيد غنيا لأنه كالدائن والمشترى من الذي اخذها صدقة ثم اشار إلى انه وان حل اخذ مال الصدقة فلا يحل اخذ اجرة البغية وان كانت مكرهة لا اثم لها فقال (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ) شواب جواريكم على توهم ان لهن نوع رغبة (عَلَى الْبِغاءِ) أي الزنا كيف وانما يتصور الاكراء (إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا) فانتم لحريتكم أولى بارادته لكنكم تريدون البغاء وتكرهون عليه (لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) أي عرضا زائلا يقوم حياة دنية زائلة (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ) آخذه اللّه باثم الاكراه واثم الزنا لسقوطه عن المكرهة (فَإِنَّ اللَّهَ) لزناهن الواقع (مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ) لا بعد زواله في اثنائه (غَفُورٌ) لأنه (رَحِيمٌ) بالمكرهة وكيف تبتغون عرض الحياة الدنيا باحتمال هذه الاثام الحاجبة عما جعل اللّه فيكم من قابلية التجلى الالهى على اتم الوجوه واجمعها بإنزال اشراق نوره في قلوبكم
(وَلَقَدْ أَنْزَلْنا) من مقام الجمع (إِلَيْكُمْ) لتستعدوا لتجليه المذكور فيكم بالتنزه الموجب مناسبتكم معه (آياتٍ مُبَيِّناتٍ) لاحكامه المفيدة للتنزه (وَمَثَلًا) يبين تجليه الكامل (مِنَ) تجليات الكمل (الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) لتقتدوا بهم في تحصيلها الكمال لكم (وَمَوْعِظَةً) زاجرة عما يحجبكم عنها (لِلْمُتَّقِينَ) الذين يتقون تلك الحجب
(اللَّهُ) باعتبار اشراق نور وجوده (نُورُ) وجود (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ) اشراق (نُورِهِ) فيهما كاشراق نور الروح الإنسانى ببدنه الذي هو (كَمِشْكاةٍ) الروح (فِيها مِصْباحٌ) ثم الروح لغاية تجرده لا يتعلق بالبدن الا بواسطة القلب كما انه يكون