تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 70
(الْمِصْباحُ) في المشكاة بواسطة كونه (فِي زُجاجَةٍ) هي القنديل في المشكاة لا يتم صفاء المصباح بدون تلك الزجاجة إذ الزجاجة وان كانت من الأجسام الكثيفة تناسب المصباح في الصفاء إذ (الزُّجاجَةُ) في الصفاء (كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) كذلك في القلب صفاء يناسب صفاء الروح فيتعلق الروح بواسطة القلب بالبدن لأن مصباح الروح بواسطة القلب (يُوقَدُ) في البدن (مِنْ) لطافة النفس فهي وان كانت من عالم الأجسام فلطافتها بمنزلة الزيت يوقد المصباح من زيت (شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) بكثرة الثمرات كذلك كثرة ثمرات النفس من القوى المدركة والمحركة (زَيْتُونَةٍ) جامعة للمنافع إذ تصلح للتسريج والادام والدواء كذلك كثرة منافع النفس من ادراك المحسوسات التي اكتسبت منها المعقولات وليست متعلق الروح بالذات لاتصافها بوصف (لا شَرْقِيَّةٍ) من المجردات (وَ) مع ذلك صارت واسطة الروح بعيدة لاتصافها بوصف (لا غَرْبِيَّةٍ) من الأجسام المظلمة فهي كزيتون الشام وانما فارقت نفوس سائر الحيوانات لأنه (يَكادُ زَيْتُها) أي لطافتها (يُضِيءُ) اضاءة الروح (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ) من الروح (نارٌ) كذلك تعلق نور الحق بالعالم بواسطة العقول المتعلقة بالأجسام بواسطة النفوس الكلية المباركة بكثرة الملائكة وإذا كان الروح نور البدن والعقول نور العالم واللّه تعالى نور فوق نور الروح ونور العقول فهو (نُورٌ عَلى نُورٍ) محجوب بالانوار الروحانية والعقلية احتجابها ببدن الإنسان والعالم (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ) بكشف الحجب الظلمانية والنورانية (مَنْ يَشاءُ) فيحصل له التجلى الشهودى (وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ) أي الذين نسوا ما فيهم من قابلية ذلك التجلى ليتشوقوا إليه (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) فلا يضرب المثل الا لمن يفهمه فيتشوق إليه ولا يتجلى بالتجلى الا بمقدار استعداد المتجلى له وهو بمقدار طهارة النفس فيكون هذا داعيا للمبالغة فيها والذي يشاء هدايته بهذا النور القلوب المرفوعة بالأعمال الصالحة من الجوارح وبذكر اللّه باللسان وتسبيح الخواطر وقت ظهور النور وخفائه ولا تشتغل تلك الخواطر بأعمالها اعجابابها ولا بطلب اجرها ولا يمنعها ذلك الاستغراق عن الأعمال الظاهرة ولا عن المساعى الباطنة فيخاف تقلب القلوب إلى الآخرة والابصار إلى الدنيا فيكثر فيها نور التجلى الالهى كما يكثر النور المصباحى
(فِي بُيُوتٍ) هي المساجد (أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي تعظم فكانت واجبة التعظيم ومن تعظيمها تكثير السرج فيها (وَ) انما أذن برفعها لأنه أذن ان (يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) وهو معظم مفيد النور للذاكر يسرى منه إلى مكانه وكيف لا يكون في ذلك المكان نور معنوى مع انه (يُسَبِّحُ لَهُ) أي للّه لا لطلب اجر منه (فِيها بِالْغُدُوِّ) طمعا في استزادة النور (وَالْآصالِ) طمعا في استرداد ما نقص منه
(رِجالٌ) كمل يواظبون على الذكر في كل حال إذ (لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ) جلب متاع (وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) بل يستمرون على ذكره بكل حال إذ لا يحجبهم الخلق عن الحق ولا الحق عن الخلق (وَ) لا عن (إِقامِ الصَّلاةِ) وإن احتاجوا إلى أعمال التجارة والبيع فيتركونها ويشتغلون بأعمال الصلاة (وَ) لاعن (إِيتاءِ الزَّكاةِ) وإن كان منافيا للتجارة والبيع في الظاهر فيجتمع في حقهم انوار العبادات الظاهرة أيضا وكذا انوار المساعى الباطنة إذ (يَخافُونَ) مع ملازمة