تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 84
نتائج العلوم (فَجَعَلَهُ) أي البشر (نَسَبًا) أي أصلا أو فرعا أو حاشية لقوم (وَصِهْرًا) لآخرين يتعصب من أجل نسبه وصهره فيعتقد باطلهم حقا كذلك أهل الاستدلال يتعصبون لآبائهم ومشايخهم (وَ) هو وان صعب إزالته (كانَ رَبُّكَ) الذي أمرك بالجهاد الكبير (قَدِيرٌ أَ) على إزالته كما قدر في النسب والصهر فلا يبالى المؤمنون لهما
(وَ) هذا حيث يكون شبهة ولا شبهة لأهل الشرك إذ (يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) مع ان الدون لا يستحق ما يختص بالأعلى على ان العبادة انما هي لجر نفع أو دفع ضروهم يعبدون (ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَ) يتعصبون لها على عكس ما تقدم كمن تعصب بعدوه على أبيه إذ (كانَ الْكافِرُ) للشيطان (عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا) أي معينا
(وَ) لو قيل ان تعصبهم انما هو لعداوتهم معك يقال لا وجه لها لانا (ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا) لهم بالثواب الدائم (وَنَذِيرًا) عن العقاب الدائم وكلاهما من أعظم الفوائد الموجبة أعظم وجوه المحبة وهم يعادونك عداوة من يزاحمهم في دنياهم
(قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا) أجر هداية (مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) فينال منه قربا ويكون للهادى مثل قربه
(وَ) ان عادوك على تبشيرك وانذارك فقاتلوك (تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ) ليبقى حياتك بحياته الكاملة إذ هو (الَّذِي لا يَمُوتُ) إذ لا يعرض له ما يزيل عنه الحياة فلا يمكن أعداءك ان يعرضوا فيك ما يزيلها عنك (وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) أي ونزهه من أن لا ينصرك عليهم مع اتصافه بكمال القدرة والحكمة كيف (وَ) قد استحقوا الهلاك الكلى على معاصيهم فضلا عن الكفر فإنها وان كانت دون هذا القدر عند أكثر الخلائق (كَفى بِهِ بِذُنُوبِ) أي بمقدار ما يقتضى كل ذنب من ذنوب (عِبادِهِ) من المعاقبة (خَبِيرًا) وقد أعطى كل مستحق بحسب خبرته إذ هو
(الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما) من فلك وملك ونجم ومعدن ونبات وحيوان (فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) ليوفى كل يوم حقه من تكميل ما يحدث فيه نوعا (ثُمَّ اسْتَوى) ليفيض على كل شيء منها ما يستحقه (عَلَى الْعَرْشِ) الذي هو منبع الحياة والفيوض اسمه (الرَّحْمنُ) فإن لم تدركه بدليل ولا كشف (فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا) فانه أولى بالتقليد من الجهال (وَ) هم الذين
(إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ) الذي عمت رحمته بالموجودات لتستفيضوا منه الكمالات (قالُوا) من افراط جهلهم (وَمَا الرَّحْمنُ) فانا لا نعرف من يعم رحمته الكل بل نعتقد ان كل معبود يرحم عابده على ان عموم الرحمة يقتضى ترك التكليف فلا يكون آمرا بالسجود (أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا) أي لامرك لا لامره (وَزادَهُمْ) أمرك بسجودهم له ليتقربوا إليه (نُفُورًا) عنه وكيف خفى عليهم الرحمن مع انه
(تَبارَكَ) أي كثر الخير (الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا) ينسب إليها أعمال الكواكب (وَجَعَلَ) أعظم العوامل (فِيها سِراجًا) كسراج البيت لا يكون رب البيت (وَقَمَرًا) يستنير منه ثم يصير للأرض (مُنِيرًا) فكيف يعدّان راحمين من دون اللّه (وَ) ليس من رحمتهما الليل والنهار بل
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً) يخلف كل واحد منهما الآخر بدلا عنه رحمة (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) من تبدلهما تبدل نور الإيمان بظلمة الكفر وبالعكس (أَوْ أَرادَ شُكُورًا) أي شكر الحق على ما افاد بالليل من العبادة بالخلوة أو السكون وبالنهار من العلوم والعبادات المنوطة