تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 88
أوّلا عن الا هم وهو القتل
(قالَ فَعَلْتُها إِذًا) أي قبل النبوّة والانبياء انما يجب عصمتهم بعد النبوّة عن العمد (وَ) كانت خطأ إذ (أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) أي الجأهلين بكون الوكزة مفضية إلى القتل والخطأ وان كان معفوّا عنه شرعا بالدية لكن لم أركم تعفون عنه
(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) ان تقتلونى على القتل الخطا ظلما فنجانى اللّه منكم فشكرت نعمة انجائه فزادنى انعاما (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا) عليكم بطلب بنى اسرائيل (وَ) لا أخاف أن تحكموا على بالقتل إذ (جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) لرد دعواك الربوبية ولم يجب عن الكفر لأنه ان تكلم بكلمة فعن تقية ولعله لم يتكلم بها أصلا ولكن كان يظن فرعون به ذلك
(وَتِلْكَ) التربية التي تزعم انها (نِعْمَةٌ) لم تبق نعمة إذ (تَمُنُّها عَلَيَّ) وهي بالحقيقة انما كانت من أجل (أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أي استعبدتهم فحكمت عليهم بذبح أولادهم فخافوا على فالقونى في البحر فوقعت بيدك فكأن هذه التربية عين ذلك الاستعباد ولما رأى اصرار موسى على دعوى النبوّة بعد هذه الكلمات الرادعة
(قالَ فِرْعَوْنُ) طاعنا على رسالته بقصور معرفته (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) أي ما حقيقته ولم يمكن بيانها بالجنس والفصل لعدم تركبه ولا بالفصل وحده إذ ليس منه في المخلوقات شيء فيميزه عن جميعها به ولا ضد له فلا يمكن تعريفه به فلا يعرفه الا من شاهده أو خلق فيه علم ضرورى به أو أوحى إليه واما غيره فغايته الاطلاع على خواصه لذلك
(قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا) أي الذي اكتسبت هذه الأشياء الوجود من اشراق نوره فهذا اتم تعريف لكم (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أهل كشف وشهود
(قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ) بجعل وجود السموات والأرض مكتسبا لهما من الغير مع انه قديم
(قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) من الحوادث اليومية فإنها لما لم يمكن فيها دعوى القدم لم يكن بد من اسنادها إلى الواجب
(قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ) أي الذي هو منكم لامن الملائكة (الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ) من مكانكم (لَمَجْنُونٌ) يسند الحوادث اليومية إلى الواجب على تقدير قدم السموات والأرض مع انها على ذلك التقدير مسندة إلى الحركات الفلكية التي لا بداية لها
(قالَ) الحركة الكلية لا توجد بدون الجزئيات وجزئياتها حادثة ولا يستند إلى الفلك لأنه يطلب بها كمالا فهو قاصر فلا بد من اسنادها إلى الواجب فهو (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) اللذين هما المبدأ والمنتهى للحركة (وَما بَيْنَهُما) مما يستند إلى تلك الحركة لأن المسند إلى المسند إلى الشيء مسند إلى ذلك الشيء فهذا التعريف تام لكم (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) تستدلون بالحركة على مبدئها الذي لا يطلب بها كمالا على ان الحركة تغير والمتغير لا بد وأن يكون حادثا ولما أيس عن مجاوبته
(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) في هوة عميقة حتى تموت
(قالَ أَ) تسجننى (وَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ) من المعجزات (مُبِينٍ) لصدق دعواى فينسبك الناس إلى العجز والظلم المنافيين للالهية
(قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) بان لك ذلك الشئ
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ) من غير توقف واستتار (ثُعْبانٌ) حية أكبر من العصا (مُبِينٌ) أي ظاهر غير مخيل
(وَنَزَعَ يَدَهُ) من ابطه بعد ما أدخلها فيه لطلب فرعون آية أخرى (فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ) ذات شعاع محير (لِلنَّاظِرِينَ) مثل