تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 120
بالإيمان بتلك الكتب (مِنْ قَبْلِهِ) أي من قبل إنزاله (مُسْلِمِينَ) أي منقادين له
(أُولئِكَ) وإن اتحد إيمانهم بالكتابين (يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) مرة لإيمانهم بما في كتابهم ومرة لمعرفتهم ان هذا الكتاب هو الموعود فيها (بِما صَبَرُوا) على تامل وجوه إعجازه حتى صارت لهم ملكة يعرفونها بمجرد القراءة (وَ) إذا وردت عليهم شبهة قادحة (يَدْرَؤُنَ) أي يدفعون (بِالْحَسَنَةِ) أي بالحكمة الجميلة الشبهة (السَّيِّئَةَ) وهذا وجه آخر للتضعيف (وَ) ثم وجه ثالث له هو أنه (مِمَّا رَزَقْناهُمْ) من العلوم (يُنْفِقُونَ) ثم انهم انما يدفعون شبهة المنصفين وينفقون عليهم العلوم
(وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ) من مناظر او متعلم (أَعْرَضُوا عَنْهُ) إذ لا يفيد مناظرته ولا تعليمه (وَقالُوا) سقط عناحل شبهاتكم وتعليمكم (لَنا أَعْمالُنا) المبنية على دلائلنا (وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) المبنية على لغوكم (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي سلمكم اللّه من لغوكم (لا نَبْتَغِي) أي لا نطلب هداية (الْجاهِلِينَ) الجهل المركب وكيف يتأتى منا ولا يتأتى من أكمل الخلائق إذ قيل له
(إِنَّكَ) يا أكمل الخلائق في الكشف عن الحقائق والحجج والشبه والتأثير بالهمة (لا تَهْدِي) بتنوير القلب (مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ) وإن قدر على هداية الكل فلا يهدى الا من علم من استعداده الاهتداء لأنه (أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) أي باستعداداتهم وانما تجب هداية غيرهم لعدم اطلاعك على استعداده نزلت في أبى طالب جاءه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما احتضر فقال يا عمى قل لا اله الا اللّه كلمة أحاج لك بها عند اللّه فقال يا ابن اخى علمت صدقك ولكنى أكره أن يقال جزع عند الموت
(وَ) كيف تهدى المعاندين وهم إذا لم يجدوا شبهة تمسكوا بعذر فاسد كأن (قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى) لنصير (مَعَكَ نُتَخَطَّفْ) أي نخرج (مِنْ أَرْضِنا أَ) هذا عذرهم (وَ) انما هو عذر من (لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) أي لم نجعل مكانهم (حَرَمًا آمِنًا) أي مفيدا للامان عند تشاجر الناس من حوله ولا يكون منع حمل الثمرات إليهم مخرجا لهم منه إذ (يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) من الجوانب إذ جعلنا حملها اليكم (رِزْقًا) للحاملين لكثرة ربحهم فيجعل ذلك داعية لهم (مِنْ لَدُنَّا) وهذا ظاهر (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) كيف يخافون في اتباع الهدى التخطف ولا يخافون في تركها الهلاك الكلى وقد وقع فيما دونه فانه
(وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ) أي طغت فكفرت (مَعِيشَتَها) فإن أنكرت إهلاكهم (فَتِلْكَ) البيون المشار إليها (مَساكِنُهُمْ) هلكوا بالكلية حتى (لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا) زمانا (قَلِيلًا) مقدار سكون المسافرين يوما أو بعض يوم (وَ) ليسوا بهذا السكون وارثيهم يقومون مقامهم حتى كأنهم لم يهلكوا بل (كُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) ان زعموا ان اللّه تعالى لو أخذهم لبطرهم لاخذنا بالكفر يقال
(وَما كانَ رَبُّكَ) الذي بعثك رحمة للعالمين (مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها) التي ينسب إليها ما حولها نسبة الولد إلى أمه (رَسُولًا) يزيل عذرهم إذ (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا) الدالة على ظلمهم إذ الظلم المجهول لصاحبه كالمعدوم في زعمه (وَما كُنَّا) بمقتضى عظمتنا المقتضية عظيم جودنا (مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ) إذ بدون ذلك يخل بجودنا
(وَ) كيف يخافون على متابعة الهدى التخطف وغاية ما فيه سلب ما أوتوا (ما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ) فانه وان جل (فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) الخسيسة الفانية (وَ) ان زاد على المتاع فهو (زِينَتُها) المناسبة لحالها واللّه تعالى يعوضكم