تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 121
بذلك ما عنده (وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ) متاعا وزينة لأنه بحسب عظمته (وَ) لو لم يكن فيه سوى انه (أَبْقى) لكفى (أَ) تؤثرون الخسيس الفانى على الشريف الباقى (فَلا تَعْقِلُونَ) فلو قيل العقل لا يأمر بترك الحاضر المتيقن للغائب المشكوك يقال ما كان موعودا من عند عظيم قادر فليس بمشكوك والحاضر إذا كان يعقبه ضرر يترك بلا عوض
(أَ) يستوى الموعود المحقق الشريف الباقى الذي لا يعقبه ضرر والحاضر الخسيس الفانى الذي يعقبه أعظم وجوه الضرر (فَمَنْ وَعَدْناهُ) بمقتضى عظمتنا المقتضية شرف الموعود (وَعْدًا حَسَنًا) لا يعقبه ضرر ووعدنا لا يحتمل الكذب (فَهُوَ لاقِيهِ) لا محالة (كَمَنْ مَتَّعْناهُ) متاعا لو طالت مدته كان (مَتاعَ) مدة (الْحَياةِ الدُّنْيا) التي جميع مدتها أقل من ساعة من نهار (ثُمَّ) لا يقتصر في حقه على سلب المتاع بل (هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ) يكون صاحبه (مِنَ الْمُحْضَرِينَ) في النار فلو لم يكن له فيها عذاب كفى به زاجرا
(وَ) انما كان متاعهم سبب احضارهم لنسبتهم اياه إلى الشركاء ابتداء واستدامة وتوقعهم منهم دفع ما يعقبه من الضرر ولا يفيدونهم شيأ من ذلك بل يسفهونهم (يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) ان لهم هذه الفوائد فيشيرون إلى من عبدوهم من الملائكة والصالحين والشياطين
(قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) منهم وهم الشياطين إذ منهم الاغواء (رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا) بايهام هذه الفوائد منافلا تكلفنا تحصيلها لهم ولا تزدنا عذابا باغوائهم فانا (أَغْوَيْناهُمْ) ليعبدونا (كَما غَوَيْنا) بمحبة الشرك فكان من قلة عقلهم اتباع الغواة فلم يكن لنا في ذلك مزيد تاثير ثم انا لم نبق على تلك الدعوى ليستمر علينا عذابها إذ (تَبَرَّأْنا) اليوم من شركهم متوجهين (إِلَيْكَ) إلى توحيدك ولم يكن شركهم تاما لأنهم (ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ) أي لم يخصصونا بالعبادة بل عبدا وأهويتهم أيضا فإن عذبتنا على شركهم فبقدر شركهم لنا
(وَقِيلَ) هذا على زعمهم أن تبرأهم من الشرك يفيدهم لجعلنا من العذاب منه للمشركين بعد ما تبرؤا عنهم وسفهوهم (ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ) ليتحملوا عنكم العذاب الذي كان بمقدار شركهم (فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ) فضلا عن التحمل (وَرَأَوُا الْعَذابَ) على شركهم الذي لاجله نسبوا متاعهم إليه لا يندفع الا بالهدى السابق فتمنوا (لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ) بدل ذلك المتاع الذي دعاهم إلى الشرك فاى عقل يامر بايثار هذا المتاع على ذلك المتمنى
(وَ) لا يجدونه لعماهم فانه (يَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ) الداعين إلى الهداية
(فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ) لتعاميهم في الدنيا (فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ) أي لا يسأل بعضهم بعضا عما جرى فضلا عن أن يجيب فاين لهم هذا المتمنى وهذا وان كان شأن من لم يجب الرسل في الدنيا فانما هو في حق المصر
(فَأَمَّا مَنْ تابَ) عن ترك الإجابة (وَ) أجاب ولو بعد مدة بان (آمَنَ وَ) اكمل اجابته بان (عَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) الذين أجابوا من أول الأمر فنالوا درجة الصديقية وأمكنهم الجواب الحسن في مقام المكالمة الالهية والقرب ومقام الشفاعة لأنهم إذا استناروا بهذه الانوار حصل لهم الاستبصار لشأن الرسل فاستناروا ببعض انوارهم المفيدة لهم ما ذكرنا
(وَ) لا يلزم عموم الفلاح كل مجيب أولا وآخرا كما لا يلزم عموم الإجابة إذ (رَبُّكَ) الجامع للكل (يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ) لا يلزم من