تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 127
غلبتهم انما أظهرنا الإسلام خوفا من المسلمين انا كنا معكم ولا يقصدون بذلك التلبيس على الخلق فقط بل على اللّه أيضا (أَ) يقصدون التلبيس على اللّه (وَ) يعتقدون أن (لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ وَ) هذا القصد منهم يقتضى الأمر بالجهاد ليظهر أنه
(لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا) فنبتوا على الإيمان عند انكسار المؤمنين (وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ) بالتغيير عند ذلك
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بإنكار عذاب اللّه (لِلَّذِينَ آمَنُوا) لم تتحملون أذى الناس (اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ) ان خفيتم عذاب اللّه (لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ) بطريق الالتزام (وَ) انما قالوا ذلك من إنكار كونها خطايا والا (ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ) أدنى فضلا عن خطيئة الكفر ولو تحقق ذلك عندهم (إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) فلا يوفون به
(وَ) لكن يجعلون كالموقين (لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ) أي اثقال معاصيهم التي يعجزون عن حملها (وَأَثْقالًا) من اضلالهم وتحملهم (مَعَ أَثْقالِهِمْ) لا بطريق التعاقب لعدم انقطاعها (وَ) لا يسقط بذلك أثقال المحمول عنهم بل (لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ) على اللّه من نسبة الشريك والولد وكفى بالسؤال عن ذلك ثقلا
(وَ) لو منع التحمل من مؤاخذة المحمول عنه لم يؤاخذ المتأخرون من قوم نوح مع تحمل أوائلهم وتعذيبهم مدة مديدة يمكن جعل بعضها من جهة التحمل فانا (لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا) فلم يمنع تعذيب من مات من المتحملين منهم حين مؤاخذة المحمول عنهم (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ) لم يكن من البليات العامة إذ (هُمْ ظالِمُونَ) ولذلك تميز عنهم من لم يكن ظالما
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ) لا لركوبهم السفينة المحسوسة فقط بل لركوبهم سفن النجاة من الإيمان والأعمال الصالحة (وَ) لكن (جَعَلْناها آيَةً) على السفينة العقلية المنجية (لِلْعالَمِينَ وَ) السفينة المعنوية تنجى بذاتها والحسية بالأرواح الملكية والا فهي مجرد صورة لا تؤثر كصور الاصنام فاذكر لذلك انا أرسلنا
(إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ) لتكون عبادتكم اياه سفينة معنوية (وَاتَّقُوهُ) ليصير وقاية عن غرقها (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) من سائر السفن والوقايات علمتم ذلك (إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الحقائق لكن لا تعلمونها ولذلك
(إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) مع ان الدون لا يستقل بالاثر بدون الأعلى (أَوْثانًا) أي صورا لا تصلح للسببية فضلا عن الفاعلية (وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا) أي تخترعون كذبا انها تستقل بالتأثير حتى انها هي التي ترزق (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) لابتغاء الرزق منهم مع ان ابتغاءه لو صح من الدون لم يستحق العبادة (لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا) لانكم أعلى منهم (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ) الجامع للكمالات التي ظهر بعضها فيكم (الرِّزْقَ) الذي به بقاء تلك الكمالات فيكم (وَ) لو طلبتم من دونه الرزق فلا تعبدوه بل (اعْبُدُوهُ وَ) لا تعتقدوا استقلاله بإعطاء الرزق بل (اشْكُرُوا لَهُ) على ان جعل لكم من طلبتم منهم الرزق سبب ذلك (وَ) كيف تتركون شكره مع انكم في الانتفاع بذلك الرزق (إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بالرجوع إليه في تمام الانتفاع بالرزق وأحالوا ذلك على القوى الباطنة والطبائع الخارجة
وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ