تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 193
فان أمكنكم دفع الآيات بالجدل الباطل فليس لكم دفع القدرة الالهية به (نَعَمْ) تبعثون (وَأَنْتُمْ داخِرُونَ) أي ذليلون لا جدل معكم يدفعه ولا قدرة كيف وليس بقدرة مثل قدرتكم ولا بكلمة مثل كلماتكم
(فَإِنَّما هِيَ) أي نفخة البعث (زَجْرَةٌ) أي صيحة (واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ) احياء قيام أو لو قوة مدركة بها (يَنْظُرُونَ وَ) محركة بها
(قالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ) أي الجزاء فيقول بعضهم لبعض لا تدعوا فيه الويل مع ان
(هذا يَوْمُ الْفَصْلِ) أي الفرق بين المحسن والمسيء (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) فانتم أتم اساءة من غيركم فاولى بالفصل التام لذلك يقال
(احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا) سيما بإنكار يوم الفصل (وَأَزْواجَهُمْ) أي اتباعهم من الأهل وغيرهم(وَما كانُوا يَعْبُدُونَ
دُونِ اللَّهِ)من الشياطين والاصنام إلى مكان ليتميزوا عن غيرهم من كل جهة (فَاهْدُوهُمْ) فعرفوهم ما انفصلوا به عما سواهم حتى صاروا (إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ وَ) لا تستعجلوا بهم حتى يتم الفصل بل
(قِفُوهُمْ) للسؤال عما انفصلوا به عمن سواهم (إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ) عن اعتقاداتهم وأخلاقهم وأعمالهم ليلزموا الحجة التي بها انفصالهم ولا يقتصرون في الزام الحجة بل يقال لهم
(ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ) أي لا تدفعون لزوم الحجة عليكم ولا يمكنكم الجدل بالباطل
(بَلْ هُمُ الْيَوْمَ) الذي يظهر فيه الحق والباطل (مُسْتَسْلِمُونَ) لكل ما يلزمون من الحق وان كان أشق مما كانوا يدفعونه إذ يخافون من ذلك أن يقعوا فيما هو أشق منه
(وَ) لما رأوا عجزهم عن سبب الدفع ورأوا انهم لا يخفف عنهم بالاستسلام (أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ) عن سبب الدفع ولما علم التابعون ان ليس عند المتبوعين وجه دفع أرادوا أن يلزموهم ذنوبهم لتندفع عنهم أو يخفف عليهم
(قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ) أي عن القهر فتكرهوننا على الكفر أو عن شبه قوية
(قالُوا) لم نكرهكم على الكفر (بَلْ لَمْ تَكُونُوا) عن اختياركم(مُؤْمِنِينَ
وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ)أي شبهة قوّة تشبه الحجة (بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ) مجاوزين الحجج القطعية إلى الشبهة الواهية نعم اتبعنا تلك الشبهة
(فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا) لاملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (إِنَّا لَذائِقُونَ) ما حق علينا لاتباع تلك الشبهة ثم ألقيناها عليكم
(فَأَغْوَيْناكُمْ) لا لنفوز بالهداية بل (إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) فكما اشتركوا في اتباع تلك الشبهة في الدنيا
(فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) لا فضل فيه للمتبوع على كل تابع إذا لتابع أيضا متبوع لغيره غالبا بل
(إِنَّا كَذلِكَ) أي مثل تعذيبهم (نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) وإن فرض انه لا تابع فيهم ولا متبوع لاشتراكهم في أقبح القبائح وهو الاستكبار على من يأمرهم بالتوحيد
(إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ) قولوا (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) على قائله فلا يمتئلون أمره
(وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا) بهذا التوحيد (لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ) أي لقول من يقول بالمقدمات الخيالية عن الجنون فرد عليهم بأنه لم يأت بكلام مخيل
(بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَ) لا عن جنون لأنه وان خالف مالوفهم (صَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) الذين هم أعقل الخلائق فمتى يتفقون على قول مصدره الجنون وهذا القول منكم لو لم يكن مما يخل بملكنا موجب لاذاقتكم العذاب
(إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) لهذا القول سيما لتضمنه