تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 195
لولا الجنة وما فيها فكيف إذا انضم إليه الفوز بذلك أيضا
(لِمِثْلِ هذا) الفوز (فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ) من الأوّلين والآخرين انواع الأعمال لو لم يفوزوا بالجنة ولا برؤية اللّه تعالى
(أَذلِكَ) أي هل فواكه جنات النعيم وسررها وكؤسها وحورها (خَيْرٌ نُزُلًا) ما يقدم للنازل أوّلا (أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ) ثمر شجرة صغيرة الورق ذفرة وليس كما يقول الجهال انها زبد وتمر بلغة بربرة فليست لغة القرآن ولا يستحيل كون الشجرة في النار فمن الاشجار ما ينسج من جلدها ثياب إذا توسخت جعلت في النار فيحرق وسخها فتصير مغسولة
(إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً) أي ابتلاء (لِلظَّالِمِينَ) في الدنيا بإنكار كون الشجرة الرطبة في النار وبحملها على لغة اخرى وفى الآخرة بالاكل
(إِنَّها شَجَرَةٌ) في غاية الخبث إذ (تَخْرُجُ فِي) اسوا المنابت (أَصْلِ) أي قعر (الْجَحِيمِ) كانه نواها وترتفع اغصانها في دركاتها
(طَلْعُها) أي حملها في تناهى القبح والهول (كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ) أي مثل ما يتخيل ويتوهم من قبح رؤس الشياطين فهي قبيحة الاصل والثمر والمنظر والملمس ومع شدة كراهتهم لها يضطرون إليها من شدة الجوع الذي يتعذبون به اضعاف عذاب النار
(فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها) مع كونها اشد حرارة من النار سبعين ضعفا في أيام سلطنتها وابرد من الزمهرير كذلك في أيام سلطنته(فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا)أي مزجا (مِنْ حَمِيمٍ) يمازجها في بطونهم فيقطع امعاءهم وذلك يكون خارج الجحيم
(ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ) وانما كانت لهم هذه الشجرة لمتابعتهم آباءهم
(إِنَّهُمْ أَلْفَوْا) أي وجدوا (آباءَهُمْ) الذين هم اصولهم (ضالِّينَ) مناسبين للجحيم
(فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ) المناسبة للثمرات (يُهْرَعُونَ) أي يسرعون من غير نظر فتختلط عليهم الأمور وهو موجب للنظر كيف
(وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ) أي قبل آبائهم (أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ) الذين هم بمنزلة الاباء لآبائهم فلما جاز الضلال على اكثرهم جاز مثله على آبائهم
(وَ) لضلالهم (لَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ) فكذبوهم فأهلكوا
(فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) فهي اجل دليل على ضلالهم لأنها لم تكن لجميعهم لأنها اصابتهم
(إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) فنجوا منها لهدايتهم فقابلوهم لا بد وان يكونوا ضالين
(وَ) مما يدل على ان إهلاك المنذرين كان لضلالهم ان قوم نوح انما أهلكوا لدعوته فانه (لَقَدْ نادانا نُوحٌ) بقوله رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ولا تزد الظالمين الا تبارا ونحو ذلك فإن فرض انه لم يكن على الحق (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) نحن إذ لا نجيب الا ما كان على الحق
(وَ) للدلالة على كونه على الحق بأن (نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) الاغراق وإذية قومه
(وَ) اكدنا دلالة كونه على الحق بأن (جَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ) وكان له ثلاث بنين سام ابو العرب والفرس والروم وحام ابو السودان ويافث ابو الترك
(وَ) كيف يتوهم كونه على الباطل مع انا (تَرَكْنا) أي ابقينا (عَلَيْهِ) بأن جعلنا له من الثناء في حياته (فِي الْآخِرِينَ) أي في طوائف المتأخرين من أهل الملل المختلفة بحيث إذا سمعوا اسمه قالوا
(سَلامٌ عَلى نُوحٍ) ولا تختص هذه التحية بنوع الإنسان بل هي منتشرة (فِي الْعالَمِينَ) انواع الموجودات لكونه ناظرا إلى اللّه تعالى في كل ما يراه فكان ذلك