فهرس الكتاب

الصفحة 664 من 882

تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 204

حتى قال له ربه

(يا داوُدُ) ناداه ليقبل إليه فيتم له قابلية الخلافة (إِنَّا جَعَلْناكَ) باعتبار مقام عظمتنا (خَلِيفَةً) أي نائبا عنا (فِي الْأَرْضِ) التي هي عالم الكون والفساد لنفوض اليك صلاح العالم ظاهرا كما فوّض اليك بالرسالة باطنا فكانت خلافتك مكملة لرسالتك المكملة لنبوّتك فالنبوّة تنبه القلوب بالعلوم الغيبية بطريق الكشف المأمون فيه من الغلط والرسالة الأمر بتبليغها والخلافة التصرف بها ولما كانت نيابة عن اللّه اعتبر فيها ما يناسب صفاته لكونه حيا يحفظ المملكة حفظ الحياة للبدن عالما بوجوه التدبير قادرا على إقامة الاحكام مريدا بتخصيص كل منصب بأهله سميعا لاقوال الحكمة بصيرا بالأمور متكلما بالحق والأمر ما أمر اللّه سبحانه وتعالى باطاعة أولى الأمر ورفع لكل واحد منهم عبادة سبعين صديقا كيف وعبادة الرعية انما حصلت بحفظهم الأموال والانفس (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ) الذين نسوا حقوق اللّه وحقوق الخلق (بِالْحَقِّ) المطابق لأمر اللّه لا بما يتعارفه الملوك (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) الميل إلى مال أو جاه أو رعاية قريب أو صاحب ولو متمسكا بأمر شرعى مقلب عن وجهه (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الموصلة إلى الكمالات كحفظ المملكة والنصر على الاعداء والنجاة في الآخرة ورفع الدرجات فيها (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ) في الدنيا بكثرة الآفات وفى الآخرة بالعذاب على معاصيه أو على معاصى عماله ورعاياه يحاسبون بكل ذلك (بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ وَ) لا بد منه إذ بدونه يكون خلق الإنسان وتمكينه من المعاصى والمظالم باطلا ولكنه خلاف سنة اللّه تعالى لانا

(ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا) بل للدلالة عليه وليست تلك الدلالة باطلا بل يترتب عليها الرجوع إليه للجزاء إذ ليس محله هذا العالم لكثرة الحجب فيه (ذلِكَ) أي اعتقاد خلقها باطلا (ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) بحكمة اللّه ووجوده ودوام ربوبيته وذلك يدعوهم إلى كفران نعمه والجراءة على معاصيه (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) من هذه الوجوه وغيرها انترك البعث بالكلية

(أَمْ) نبعث و (نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا) فشكروا نعمة العقل والكتاب (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فشكروا نعمة الاعضاء (كَالْمُفْسِدِينَ) بصرف العقل والاعضاء إلى غير ما خلقت له فسادا ساريا (فِي الْأَرْضِ) ا نترك المجازاة بالكلية (أَمْ) نجازى و (نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ) مخالفة أمر اللّه رعاية لمحبته (كَالْفُجَّارِ) الذين يخالفون أمر اللّه ولا يبالون بعداوته فإن لم يكفهم دلالة السموات والأرض والدلائل العقلية المقتضية للفرق المذكور فليضم إليه الدلائل النقلية وهو الكتاب المعجز فانه

(كِتابٌ) لا يعرف كنه عظمته لكونه مما (أَنْزَلْناهُ) من مقام عظمتنا منتهيا (إِلَيْكَ) يا أعظم الخلائق (مُبارَكٌ) كثير الخير (لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ) أي لينظروا في الفاظه وترتيبها ولوازمها فيستخرجوا منها علوما بطريق الاستدلال (وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ) يستخرجوا من اشاراتها علو ما يعجز عنها أهل الاستدلال

(وَ) اولوا الألباب وان بلغوا من الكمال ما بلغوا وهبوا ذلك الكتاب زيادة في تكميلهم كما (وَهَبْنا لِداوُدَ) بعد كمال نبوّته ورسالته وخلافته (سُلَيْمانَ) زيادة في تكميله لكمال عبوديته التي هي أشرف مقامات الإنسان حتى قيل فيه (نِعْمَ الْعَبْدُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت