تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 273
النسب والرضاع التي تثبت الحرمة هذا المقدار ستة أشهر لاقل مدة الحمل وأربعة وعشرون للرضاع ولا تزال تتعب في تربيته (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) أي منتهى شبابه (وَ) لا ينقطع تعبها بذلك بل ينتهى إلى أن (بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) يكمل فيها عقله وسائر قواه عرف قدر النعمة وانها أعظم من ان يقوم بشكرها بنفسه فحينئذ (قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي) أي الهمنى (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) من الايجاد والتربية وتكميل العقل والقوى (وَعَلى والِدَيَّ) بإعطاء ولد مثلى والتوفيق لتربيتى (وَ) ذلك الشكر صرف نعمتك إلى مرضاتك وهو (أَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي) أعمالى ليسرى نورها (فِي ذُرِّيَّتِي) وأقل ذلك العمل التوبة عن المعاصى والانقياد للطاعات (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولئِكَ) وإن فرض عملهم الإيمان والاستقامة من وحى الشيطان من غير ان يعلموا به هم
(الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا) فننظر إلى إيمانهم واستقامتهم (وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) وهو كون عملهم للإيمان والاستقامة عن وحى الشيطان لا عن علمهم به بل نجعل وعده على الإيمان والاستقامة (فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ) على لسان الرسل عليهم السّلام
(وَ) إذا صدق وعده بالجنة في الإيمان والاستقامة صدق في ضدهما بالنار أيضا مثل (الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ) حين دعواه إلى الإيمان والاستقامة (أُفٍّ) أي اتضجر (لَكُما) من هذه الدعوة أ تخوفاننى بالعذاب على تركهما بعد البعث (أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ) لم تجر به سنة اللّه إذ (قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي) ولم يخرج أحد في قرن منها (وَ) هذا الشيطان إذا أوعد على الكفر والمعاصى بالنار ودل عليه مثل الوالدين إذ (هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ) أي يطلبان الغياث من اللّه ان يلزما ولدهما حجة تلجئه إلى الإيمان والاستقامة فيقولان له استوجبت (وَيْلَكَ) لو لم تؤمن (آمِنْ) فللإيمان وتركه جزاء بوعد اللّه (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) فهذا الوعد وان فرض كونه وحى الشيطان يجب عليه قبوله عند ظهور صدقه له ما لم يعلم بدليل قطعى كونه من الشيطان ولكنه يأتى عليه بشبهة واهية (فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) أي الا كاذيب التي سطروها
(أُولئِكَ) وإن كانوا رادين لوعد الشيطان على ذلك التقدير كانوا كالرادين لوعد اللّه فيكونون من (الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) الالهى بدخولهم (فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ) على تكذيب مواعيد اللّه (مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ) الذين تميز عندهم وعد اللّه من كل وجه (وَالْإِنْسِ) الذين بقى عليهم توهم كونه من الشيطان إذ خسروا بذلك فوائد الإيمان والاستقامة (إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ) لكل شيء يخسر فوائدهما
(وَ) كيف تتفاوت الأعمال بوحى اللّه أو بوحى الشيطان إذا لم يكن فيه تلبيس مع انه قد تقرر في العقول انه (لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) سواء عملوا من قول المحب أو العدو كيف (وَ) لا يستعمل الإيمان والأعمال الصالحة للمؤاخذة بل (لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ) والا كان ظلما عليهم (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَ) ليس من الظلم احباط أعمال الكفار إذ الاحباط انما هو باعتبار عدم قبولها الموجب لها كثرة الثواب لكن يؤدى إليهم مقدار ما يستحقونه عليها ويكون ذلك في الدنيا