تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 2، ص: 274
لذلك
(يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ) فاعترضوا بأن لهم حسنات قيل لهم (أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ) أي جزاء حسناتكم (فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ) حيث تأخرت حسناتهم قيل لهم (اسْتَمْتَعْتُمْ بِها) أي بالطيبات فجعلت في مقابلة حسناتكم المتأخرة فإذا لم تبق لكم حسنة عند اللّه توجب لكم العزة عنده الموجبة كثرة الثواب لاستكباركم عليه وخروجكم عن طاعاته (فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ) على من يجب عليكم التذلل له بالأعمال مع كونه في غاية العلو وكونكم في غاية السفل (فِي الْأَرْضِ) لا باللّه على ما سواه بل (بِغَيْرِ الْحَقِّ) الذي له دناءة في نفسه (وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) عن طاعته فاخرجكم عن كرامته
(وَاذْكُرْ) لمن تمنى من الكفار أجر حسناته في الآخرة ان غايته انه تصور بخيالكم كما تصور تمنى عاد للمطر بصورة سحاب فمع تصوّره في الخارج انقلب عذابا فاذكر (أَخا عادٍ) هود الناصح لهم وان توهموه عدوهم (إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ) وهم (بِالْأَحْقافِ) جمع حقف رمل مستطيل فيه انحناء فهو لسرعة قبوله أثر الريح كالشاهد (وَقَدْ) شهد له أمثاله إذ (خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) أي قبله وبعده متفقين على (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) وقال كل واحد منهم (إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ) من عبادة غير اللّه (عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) بمقدار هتككم عظمة اللّه بالشرك
(قالُوا أَ جِئْتَنا) لمعاداتنا (لِتَأْفِكَنا) أي لتصرفنا (عَنْ آلِهَتِنا) الكثيرة التي اعانتهم في دفع النوائب أتم من اعانة الواحد وتخويفك كاذب (فَأْتِنا) الآن (بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) في انه آت لا محالة
(قالَ) انى وان علمت اتيانه قطعا فلا أعلم وقته (إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ) فأنى يكون بيدى حتى أغيره من وقته الذي عند اللّه إلى ما قبله (وَ) لو علمت وقته لم يلزمنى بيانه لانى انما (أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ) بإنكار ما لم تروه واعتقادان من علم وقوع شيء بالغيب يلزمه العلم بوقوعه وبيان وقته وان لم يرسل به واعتقاد دفع الحوادث بالاصنام (قَوْمًا تَجْهَلُونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ) أي الموعود الذي استعجلوه متصوّرا سحابا (عارِضًا) في أفق السماء (مُسْتَقْبِلَ) أي متوجه (أَوْدِيَتِهِمْ) التي بها مزارعهم (قالُوا هذا) سحاب (عارِضٌ) توجه الينا فهو (مُمْطِرُنا) مطرا يدفع القحط عنا قال هود ليس بمطر (بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ) بقولكم فاننا بما تعدنا (رِيحٌ) تصور بصورة سحاب لتوهم انه متمناكم ثم تنقلب عليكم عذابا إذ (فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ) ولا تقتصر على مجردا لا يلام بل
(تُدَمِّرُ) أي تهلك (كُلَّ شَيْءٍ) من نفوسكم وأموالكم (بِأَمْرِ رَبِّها) الذي لا يعارض فلم تدفع عنهم آلهتهم بل دمرتهم (فَأَصْبَحُوا) بحيث (لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ) أي بيوتهم وهذا لا يقتصر على عاد بل (كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) من أهل مكة وغيرها كيف
(وَ) قد كان اجرامهم فوق اجرام عاد تقديرا فانا (لَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) ثم زدتم طغيانا وبغيا (وَ) لو لم يعتبر الاجرام التقديرى فلا بد من اعتبار الاجرام التحقيقى مع كمال الحجة فانا (جَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا) ليسمعوا المواعظ والآيات القولية (وَأَبْصارًا) ليعتبروا ما جرى على أمثالهم ويبصروا الآيات الفعلية (وَأَفْئِدَةً) ليستدلوا (فَما أَغْنى عَنْهُمْ