تبصير الرحمن وتيسير المنان، ج 1، ص: 96
التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفا وصدقة الفريضة أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا ثم أشار إلى إنك وإن بينت لهم فوائد الصدقتين ودرجاتهما فليس لك ايصالهم إليها إذ
(لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) ايصالهم إلى اللّه والى ثوابه ودرجات قربه (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي) عقيب بيانك لجريان سنته بخلق الأشياء عقيب أسبابها الا على سبيل الوجوب بل على سبيل الاختيار (مَنْ يَشاءُ) بخلق الهداية في قلبه (وَ) هي ان (ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) صدقة أو صلة أو غيرهما (فَلِأَنْفُسِكُمْ) بالحقيقة لأن المنفق عليه انما يقضى بها حاجته الفانية ويحصل لكم بها الثواب الابدى (وَ) ليس ما ينفق لطلب الاجر نفقة يعتد بها بل (ما تُنْفِقُونَ) نفقة كاملة (إِلَّا) ما تنفقونه (ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ) إذ يحصل بها القرب من اللّه ولا نسبة للاجر إلى القرب (وَ) القرب ليس بمانع من الاجر بل (ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) ابتغاء وجه اللّه (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) بفوائده من التقرب والثواب الأخروى والدنيوى (وَ) بالجملة (أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) في المعاملة مع اللّه سيما إذا كان عطاؤكم
(لِلْفُقَراءِ) أي المحتاجين إلى النفقة ليتقوّوا على العبادة لأنهم (الَّذِينَ أُحْصِرُوا) أي حبسهم قصد العبادة (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حتى انهم (لا يَسْتَطِيعُونَ) من فرط اشتغالهم بالعبادة (ضَرْبًا) أي ذهابا (فِي الْأَرْضِ) لاكتساب أو سؤال ولتركهم اياهما مع قيامهم بالعبادة (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ) بحالهم (أَغْنِياءَ) لا من اتساعهم في المآكل والملابس بل (مِنَ التَّعَفُّفِ) عن السؤال مع عدم الاكتساب (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) وإن سألوا على الندور (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا) أي الحاحا بالملازمة (وَ) لا يختص هؤلاء بالانفاق عليهم بل (ما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) ولو على الملحين وعلى من لم يتحقق فقرهم أو لم تشتد حاجتهم (فَإِنَّ اللَّهَ) يجازيكم عليه بقدر استحقاقكم إذ هو (بِهِ عَلِيمٌ) ثم أشار إلى أنه كما لا يختص الانفاق بالكامل من المستحقين لا يختص بالكامل من الاوقات والأحوال بل
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ) وإن عسر فيه اجتماع المستحقين (وَالنَّهارِ) وإن خيف فيه الرياء (سِرًّا) ولو في الليل (وَعَلانِيَةً) ولو في النهار (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) أكمل مما يستحقونه لكونه (عِنْدَ رَبِّهِمْ) الذي يربى صدقتهم فينميها (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من التشبه بفعل المرائى في النهار مع الجهر ولا من عدم استيعاب المستحقين أو من التهمة في الليل مع السر (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لما يحصل لهم من النقص الضرورى بهذه العوارض ثم أشار إلى أن الخوف والحزن لا يندفعان بالانفاق من مال الربا في سبيل اللّه إذ لا يملكه صاحبه وان حصله بالمبايعة لأنه خبط فيها بالتعويض من غير عوض في الواقع فالبيع مقابلة عين أو منفعة بعين أو منفعة فلا بد فيه من تحقق العوضين بجميع أجزائهما حالا أو مآلا ولا تحقق لبعض أجزاء احد العوضين في الربا لأنه بيع نقد بنقد أو مطعوم بمطعوم إلى أجل أو بيع أحدهما بجنسه مع زيادة والمقابلة في غير الجنس تقع بمجموع أحد العوضين لمجموع الآخر لا باعتبار الاجزاء وفى الجنس باعتبار الاجزاء فلا يبقى للزائد مقابل لكنه عفى عنه في غير الربويات لقلة الحاجة إليها فلا يعد تضييعا كليا والفاضل في الربويين المختلفين باعتبار الاجل خارج عن مقابلة