زوال الحكم بالعدم يبقى المستثنى مسكوتا عنه غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات وحينئذ لا يلزم الثبوت إما أن كان تأثير الاستثناء في صرف العدم ومنعه فحينئذ يلزم تحقيق الثبوت لأنه لمّا ارتفع العدم وجب حصول الوجود بالضرورة لأنه لا واسطة بين النقيضين إذا ثبت هذا فنقول عود الاستثناء إلى الحكم بالعدم أولى من عوده إلى نفس العدم ويدل عليه وجهان: (الأول) أنّ الألفاظ وضعت دالة على الأحكام الذهنية لا على الموجودات الخارجية فإنك إذا قلت العالم قديم فهذا لا يدل على كون العالم قديما في نفسه وإلا لكنا إذا قلنا العالم قديم والعالم حادث لزم كون العالم قديما وحادثا وذلك محال بل هذا الكلام يدل على حكمك بقدم العالم، وإذا كانت الألفاظ دالة على الحكم بالعدم أولى من صرفه إلى نفس ذلك العدم.
الوجه الثاني: في بيان أنّ عود الاستثناء إلى الحكم بالعدم أولى من عوده إلى نفس ذلك العدم؛ وذلك لأن عدم الشيء في نفسه ووجوده لا يقبل تصرف هذا العامل بل القابل لتصرفه هو حكمه بذلك الوجود والعدم وإذا كان كذلك كان عود الاستثناء إلى الحكم أولى من عوده إلى المحكوم به.
الحجة الثانية: في بيان أنّ الاستثناء من النفي ليس بإثبات هو أنه جاء في الحديث والعرف صور كثيرة في الاستثناء في النفي مع أنه لا يقتضي الثبوت، قال عليه السلام: (لا نكاح إلا بولي ولا صلاة إلا بطهور) [1] .
ويقال في العرف: لا عز إلا بالمال، ولا مال إلا بالرجال، ومرادهم من
(1) هما حديثان: الأول عند أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم من حديث أبي موسى وابن ماجه من حديث ابن عباس. والثاني بلفظ آخر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة.