السبب لمّا قال لمحمد صلّى اللَّه عليه وسلم: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلّا اللَّهُ، قال بعده: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [1] والمعنى - واللَّه أعلم - أن الأمر بالاستغفار في تعقب وقع في موجب كلمة لا إله إلا اللَّه إما لغفلة تحول دونه أو لعارض شغل يعوقه عنه، وهو معنى قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: (وإنه ليغان على قلبي فاستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرة) وقد روى (مائة مرة) [2] .
وفي الحديث وجوه:
الأول: أن المراد ما يغشى قلبه من غفلة أو يعرضه من فترة بحكم الطبع البشري فعند ذلك يفزع إلى الاستغفار.
الثاني: أنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان أبدا في الترقي، فإذا انتقل إلى درجة نظر إلى الدرجة التي انتقل عنها فكان يستحقرها في العبودية فكان يستغفر اللَّه منها.
الثالث: أنه ربما لاح له شيء من تجلى عالم الغيب فيستعظم تلك الدرجة ويستبهج بها ثمّ يصير استعظامه لها وابتهاجه بها شاغلا له عن الاستغراق في المبتهج به فكان يستغفر اللَّه عن ذلك.
الرابع: أنه كلما لاح له شيء من عالم الغيب كان يعلم أن الذي لاح له إنما لاح بقدر قوته وطاقته، وكان يعلم أن قدر عقله وطاقته بالنسبة إلى جلال اللَّه وعلو كبريائه كالعدم فحينئذ يعلم أن الذي لاح له من كمال عالم الغيب بالنسبة إلى ما لم يلح له كالعدم بالنسبة إلى الوجود وكان يستغفر اللَّه من أن يصفه بما يصل إليه قلبه وعقله وفكره وذكره وخاطره.
(1) محمد: (19) .
(2) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الذكر، باب استحباب الاستغفار، بسنده عن الأغر المزني وكانت له صحبة قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلم - وذكره، وذكره أبو داود في الوتر (26) .