(الوجه الثاني) أن الآية دالة على أن السماوات مخلوقة من الدخان واعلم أن تخليق السماء من الدخان دال على كمال القدرة ونهاية الحكمة وذلك في وجوه:
الأول: أن الدخان في غاية الكدورة والظلمة والسماوات في غاية الصفاء والنقاء والشفافية فإظهار أصفى الأشياء صفاء ولطافة من أشد الأشياء كدورة وظلمة من أدل الدلائل على كمال القدرة ونهاية الحكمة. ثم الذي يزيد هذا الكلام تقريرا وإيضاحا ما روي في الخبر أنه سبحانه وتعالى خلق جوهرة ثم نظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ثم سلط الحرارة على ذلك الماء فارتفع منه زبد وعلاه دخان فخلق الأرض من الزبد وخلق السماوات من الدخان ثم إن الزبد يكون في غاية البياض والصفاء والدخان يكون في غاية الظلمة والكدورة فخلق الأرض الكدرة المظلمة من الزبد الأبيض الشفاف وخلق السماوات الشفافة الصافية من الدخان الكدر المظلم استدلالا [1] بإخراج الضد من الضد على كمال القدرة ونهاية الحكمة ونظيره قوله تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [2] .
والنظير الثاني لهذا المعنى أن النار نورانية صافية [3] والتراب ظلماني كدر ثم خلق إبليس من النار وأغواه في ظلمات الكفر والضلال وخلق آدم من التراب ورباه بأنوار الهداية والإرشاد حتى يعرف الإنسان أن الكل من الله تعالى وبتقدير اللَّه.
(1) استدلالا في (ب) ليستدل.
(2) يس: (80) .
(3) صافية ساقط من (ب) .