أما تعاليه عن كل شيء في صفاته فيحتمل أن يكون المعنى: جلّ في قدرته وفي علمه عن أن يخرج عنه شيء من المعلومات والمقدورات، ويحتمل أن يكون المعنى: جلّ علمه عن أن يكون ضروريا واستدلاليا أو تصوريا وتصديقيا، وجلّت قدرته عن أن يحتاج في فاعليته إلى مادة ومدة وآلة، وجرّ نفع ودفع ضر.
وأما تعاليه فهو الملك الحق مطلقا أي هو الغني عن كل ما سواه في ذاته وفي صفاته وفي أحواله، وكل ما سواه فهو محتاج إليه في ذواتها وفي صفاتها وفي أحوالها، حالتي حدوثها وبقائها، وتجددها واستمرارها، لا تنقطع الحاجات إليه ولا تزول الافتقارات إليه، وكل موجود فبإيجاده موجود وكلّ باق فبأبقائه باق، شهدت الحاجات في غيره على تقدسه عن الحاجات، ودلّت التغيرات في غيره عن كونه منزها عن التغيرات.
وقال آخرون: أصل الكلمة يدل على البقاء وهو مأخوذ من بروك البعير ومن بروك الطائر على السماء، وسميت البركة بركة لثبوت الماء فيها.
والمعنى: أنه سبحانه وتعالى باق في ذاته أزلا وأبدا، فمنع التغيرات في صفات جلاله ونعوت جماله يمنع التبدّل.
ولما كان الحق سبحانه وتعالى هو المعطي لجميع جهات المنافع والمصالح والميّسر لكل المطالب والمناجح وجب وصفه بأنه: تبارك، إذا عرفت هذا فنقول أنه تعالى ذكر في سورة الفرقان تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا وقال في سورة الملك: تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ونحن نفسر كل واحد منهما بقدر عقولنا القاصرة وأفهامنا الناقصة ونكل أسرارها إلى علمه الكامل وحكمته المحيطة فنقول:
في قوله:"تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ"فوائد: