قلنا: لأن الكافر وإن كان كافرا إلا أن طبعه طبع الرّجال؛ فما يضمره يظهره، وأمّا المنافق فطبعه طبع المخنثين يضمر شيئا ويظهر شيئا؛ فلهذا ورد ذمه أكثر، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ [1] .
ثم أنّه تعالى لمّا شرح أحوال هذه الفرق الثلاثة شرع بعد ذلك في تقرير الدلائل، فبدأ بذكر دلائل الصانع وذكر من الأنفس دليلين ومن الآفاق [2] ثلاثة.
أمّا من الأنفس فقوله: يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [3] .
وأما من الآفاق فقوله:"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً". ثم ذكر بعد هذه الدلائل دلائل نبوّة محمد صلّى اللَّه عليه وسلم: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [4] .
ثم ذكر بعده صورة الحشر والنشر والقيامة فقال: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ [5] ثم أورد سؤالا على الدليل الذي ذكره على نبوة محمد عليه أفضل السلام؛ ذلك لأنه استدل على نبوته بعظم حال القرآن وكمال درجته، فطعن الكفار فيه: كيف يكون عظيم الدرجة وهو مشتمل على شرح حال الحيوانات الخسيسة كالبعوضة والنّمل والذباب والعناكب، فأجاب الله تعالى عن هذا السؤال بقوله جلّ وعزّ: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَة
(1) النساء: (145) .
(2) الآفاق في المخطوطة الأوفاق.
(3) البقرة: (21) .
(4) البقرة: (23) .
(5) البقرة: (25) .