تكرمة وباطنه بخلاف ظاهره فإن ظاهره وإن كان تعدّ نعمة ولكن لمّا كان باطنه مهلكا فإنّ أحدا لا يعدّه نعمة، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضررا من ذلك السمّ، وعلى هذا التقدير كيف يعقل أن تكون لله نعمة على الكافر؟ وإذا لم يكن له عليه نعمة فكيف يليق به أن يأمر رسله بأنه يقولوا [1] لهم: (كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة؟) .
والجواب: أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسّك بطريق المدح والذم والثواب والعقاب، وهذه الطريقة معارضة بوجهين:
الأول: أنه تعالى لما كان عالما من أبى جهل بأنه لا يؤمن والعلم بعدم الإيمان مع وجود الإيمان ضدان متنافيان لذاتيهما فمع قيام أحد الضدّين يكون التكليف بالضد الثاني تكليف ما لا يطاق وحينئذ يلزمكم كل ما أوردتموه علينا.
الثاني: أن قدرة العبد لما كانت صالحة للإيمان والكفر فترجيح أحد الطرفين على الآخر إن لم يتوقف على مرجح لزم توجيه الممكن من غير مرجح وهو محال، وإن افتقر إلى مرجح فحدوث ذلك المرجح إن لم يكن بمحدث فقد استغنى الحدوث عن المحدث، وهو نفي الصانع، وإن افتقر إلى محدث فذلك المحدث إن كان هو من العبد لزم التسلسل وإن كان هو من الله فقد لزم الجبر وحينئذ يلزمكم كل ما علينا.
واعلم أن المعتزلي إذا طوّل وعرّض وأبرق وأرعد بأمثال الكلمات التي حكيناها عنهم [2] فعليك أن تعارضها بهذين الوجهين فإنه لا يمكنه أن يتكلم إذا كان ذكيا فاهما.
(1) يقولوا في الأصل: يقول.
(2) عنهم في الأصل: عنكم.