فهرس الكتاب
الحجة الثانية عشرة: قوله تعالى: وحاجه قومه قال:"أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ"وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأواه وهو ما رآهم؟ وهذا يدلّ على أنّه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في النجم والقمر والشمس بعد أن حاجّه قومه ورآهم يعبدون الأصنام فدعوه إلى عبادتها فذكر قوله:"لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ"ردّا عليهم وتنبيها لهم على فساد قولهم.
الحجة الثالثة عشرة: أنه تعالى حكى عنه: آنئذ قال للقوم: وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ [1] بِاللَّهِ [2] وهذا يدلّ على أن القوم خوّفوه بالأصنام كما حكى عن قوم هود قولهم لنبيهم:"إِنْ نَقُولُ إِلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ"ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار قبل مخالطة القوم.
الحجة الرابعة عشرة: إن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار، ولا شك أن الشمس كانت طالعة ثم غربت؛ فكان ينبغي أن يستدل بغروبها على أنها لا تصلح للألوهية، وإذا بطلت صلاحة الشمس للألوهية بطل ذلك في القمر والنجم بطريق الأولى.
هذا إذا قلنا بأن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه، أما إذا قلنا: إن المقصود إلزام القوم الحجة وانمحاقهم فهذا السؤال غير وارد، لأنه إنّما اتفق مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجّم ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس، وعلى هذا التقدير فالسؤال غير وارد؛ فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال: أن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل
(1) خاف إبراهيم عليه السلام على قومه من الشرك لأن الشرك كبيرة من الكبائر لا تغفر، قال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ"وقال"إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".
(2) الأنعام: (81) .