الأول: مليّا أي مدة بعيدة من قولهم:"أتى على فلان ملاوة من الدهر"أي زمان بعيد.
الثاني: مليّا بالذهاب عنّي قبل أن أحرقك فلا تقدر على أن تذهب، من قوله:"ملى بكذا"إذا كان مطيقا له قادرا عليه.
ثم إن إبراهيم عليه السلام لمّا سمع من أبيه هذا الجواب أجابه بأمرين:
أحدهما: أنه وعده التباعد عنه وذلك لأن أباه لمّا أمره بالتباعد أظهر الانقياد؛ وقوله:"سَلامٌ عَلَيْكَ"توديع ومباركة كقوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [1] وقوله [2] : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا [3] وهذا دليل على جواز مباركة المبطل إذا ظهر منه اللجاج، وعلى أنه يحسن مقابلة الإساءة بالإحسان، ويجوز أن يكون قد دعا له بالسلامة استمالة له، ألا ترى أنه وعده الاستغفار؟ ثم إنه لما ودّعه بقوله:"سَلامٌ عَلَيْكَ"ضمّ إليه ما دلّ على أنه وإن بعد منه إلا أن شفقته عليه باقية وهي قوله:"سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي".
واحتج من طعن في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية.
وتقريره: أن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبيه وأبوه كان كافرا والاستغفار للكافر لا يجوز فثبت بمجموع هذه المقدمات أن إبراهيم عليه السلام فعل ما لا يجوز، إنما قلنا: إنه استغفر لأبيه لقوله:"سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي"و قوله أيضا: وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ [4] .
وأما إن أباه كان كافرا فذلك نصّ القرآن.
(1) القصص: (55) .
(2) وقوله في الأصل: وقال.
(3) الفرقان: (63) .
(4) الشعراء: (86) .