وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [1] وقال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ [2] .
وبعد هذه المرتبة الرابعة مرتبة خامسة وهي الأحوال المنزلة من السماء والأرض وهي نزول المطر من صلب السماء ووقوعه في رحم الأرض ثم بعد ذلك يحدث في الأرض الواحدة أنواع من النبات بحيث يخالف كل واحد منها صاحبه في اللون والشكل والطعم والطبع والخاصية فمنه ما يكون قوتا ومنه ما يكون علفا لسائر الحيوانات فذكر في تفصيل المطعومات قوله تعالى: أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا [3] إلى آخره وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى [4] بل إذا نظرت إلى ورقة واحدة من أوراق الورد وجدت أحد وجهيها في غاية الحمرة والوجه الآخر في غاية الصفرة مع أنها تكون في غاية الدقة وقلة الثخانة ونحن نعلم بالضرورة أن نسبة تأثير الكواكب وحركات الأفلاك والطبائع إلى كل واجد من وجهي تلك الورقة الدقيقة جدا من الورد نسبة واحدة فاختصاص أحد وجهي تلك الورقة بالحمرة والأخرى بالصفرة لا بد وأن يكون لأجل القادر المختار الذي يفعله بالعلم والقدرة لا بالغلبة والطبيعة.
وإذا عرفت ذلك ظهر أن للَّه تعالى في ترتيب هذه الدلائل الخمسة وتقديم بعضها على بعض حكما بالغة وأسرارا مرعية فسبحان من لا نهاية لعلمه ولا غاية لحكمته. ثم إنه تعالى لما بين دلائل الذات لإثبات الصانع ووحدانيته أردف هذه المسألة بمسألة إقامة الدلالة على نبوة محمد صلّى اللَّه عليه وسلم هي قوله وَإِنْ كُنْتُمْ فِي
(1) يس: (40) .
(2) التكوير: (15) - (17) .
(3) عبس: (25) - (26) .
(4) الأنعام: (95) .