فهرس الكتاب

الصفحة 447 من 866

كلّ ما يتصل بمنافع الرّزق، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى إذا خلق الطعام وملّكه منه فلو لم يتمكن معه ما يتمكن من أكله والاغتذاء نحو الشّهوة والقوّة والتمييز لم تكمل هذه المعرفة وذكر الطعام والشراب ونبه على ما عداهما.

وقال بعضهم: يطعمني طعام المعرفة ويسقيني شراب المحبة، وقيل:

يطعمني طعام المناجاة ويسقيني شراب الوصول إلى الدرجات وهاهنا بحث:

وهو أنه روى الإمام محمد بن علي الترمذي - رحمه الله - في كتاب نوادر الأصول عن عقبة بن عامر: أنه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فإن الله يطعمهم ويسقيهم.

واعلم أن المرض سبب لانقطاع عشق القلب عن البدن لتواتر الألم والأوجاع والأسقام عليه، وكلّما كان ذلك العشق أقلّ كان حب الدّنيا أقل، ومرض القلب ليس إلا حب الدنيا فعلى هذا لما كان مرض البدن أتمّ كان عود القلب إلى الصحة أتم، وكلما ازداد القلب طهارة من درن الذنوب وسقم حبّ الدنيا كان شبع القلب بأغذية المعرفة وريّه بشراب المحبة أتم ومما يدل على ما قلنا أن أقلّ الناس أكلا الأنبياء عليهم السلام ثم الأولياء، وكلّما كان العبد أكبر حظا من اليقين كان أقلّ؛ روي عن عامر بن عبد القيس أنه داوم شهرا لا يأكل شيئا وقال إبراهيم التيمي: لقد أتى عليّ شهر وما أكلت طعاما ولا شرابا إلا حبة عنب أكرهوني عليها، وما أنا بصائم وأقضي حوائجي وقال عليه السلام [1] : (المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء) فالمؤمن إيمانه يشبعه فمعنى قوله عليه السلام: (إن الله يطعمهم ويسقيهم) أنه يطهر قلوبهم من الذنوب فاذا طهّرهم منّ عليهم باليقين فأشبعهم وأرواهم، وإذا قوي القلب وابتهج بمعرفة

(1) رواه البخاري في كتاب الأطعمة، (191) / (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت