وتمام الأشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد معرفة نفس تلك الماهية؛ لأنّا إذا قلنا في تعريف شيء: أنه الذي يلزمه اللازم الفلاني فهذا يتوجه عليه سؤال، وهو: أن تلك الحقيقة هل هي معلومة أم لا؟ فإن كانت معلومة فلا حاجة إلى تعريفها بذكر هذا اللازم وإن لم تكن معلومة فكيف يعلم أنها يلزمها هذا اللازم لأن قولنا: يلزمها ذلك اللازم تصديق والتصديق مسبوق بالتصور فلو كان المتصور مستفادا من هذا التصديق لزم الدور.
فثبت أن قوله:"رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ"لا يصلح جوابا عن قوله تعالى:"وَما رَبُّ الْعالَمِينَ"فعند هذا أجاب موسى بقوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [1] فكأنه عدل عن تعريف تلك الحقيقة بخالقية السماء والأرض إلى تعريفه بكونه خالقا لنا ولآبائنا؛ وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السماوات والأرض واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق الموجد إلى أن يظهر فساد هذا الاعتقاد بالبرهان.
أما أنه [2] لا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وفي أجداده كونهم واجبي [3] الوجود لذواتهم [4] لما أن المشاهدة دلّت على أنهم وجدوا بعد العدم وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك [5] كان [6] ممكنا محدثا فيظهر وجوب افتقارهم [7] إلى المرجح والموجد؛ فلهذا السبب عدل موسى عليه السلام من
(1) الشعراء: (26) .
(2) أنّه زيادة يقتضيها السياق.
(3) واجبي في الأصل: واجبة.
(4) لذواتهم في الأصل: لذواتهم.
(5) كذلك في الأصل: ذلك.
(6) كان زيادة يقتضيها السياق.
(7) وجوب افتقارهم في الأصل: أحد افتقاره.