فهرس الكتاب

الصفحة 494 من 866

الكلام الأول إلى هذا الكلام؛ فعند هذا قال فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [1] والمعنى أني سألته عن الماهية فأجاب بذكر الصفة فلما أنكرت عليه هذا الحقيقة ذكر جوابا مثل الجواب الأول فإن المذكور في الجوابين هو صفة الخالقية وذكر الصفة لا يصلح جوابا لسؤال الطلب للماهيّة، فهذا مجنون حيث لا يفهم السؤال بعد التكرير عليه مرة أخرى فقال موسى عليه السلام: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [2] فعدل إلى طريق آخر أوضح مما تقدم وذلك لأن الجواب الأول إشارة إلى دلائل الآفاق والجواب الثاني إشارة إلى دلائل الأنفس وهذا الجواب الثالث مركب من دلائل الآفاق و [3] الأنفس معا؛ لأن قوله:"رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ"إشارة إلى دلائل الآفاق وقوله:

"وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ"إشارة إلى دلائل [4] الأنفس.

فإذا تأمّلت فيه علمت أن موسى عليه السلام لم يترك في عالم المحسوسات شيئا يدل على الله تعالى إلا وقد ذكره لأن دلالة عالم المحسوسات على الله تعالى إما من الآفاق أو من الأنفس أو منهما معا.

واعلم أن موسى عليه السلام أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار وبالمغرب غروب الشمس وظهور الليل والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المحكم العجيب لا يحصل إلا بتدبير مدبّر قاهر حكيم سبحانه وتعالى، وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ فإنه قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [5] وهو الذي

(1) الشعراء: (27) .

(2) الشعراء: (28) .

(3) الآفاق زيادة يقتضيها السياق.

(4) الآفاق وقوله:"وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ"إشارة إلى دلائل زيادة يقتضيها السياق.

(5) البقرة: (258) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت