فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 866

قاله موسى في قوله: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [1] .

ثم لمّا طالب نمروذ بتمام الدلالة قال إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [2] وهو عين قول موسى عليه السلام: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما [3] .

واعلم أن موسى عليه السلام إنما قال هاهنا:"إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ"لأنه لما ثبت بالبرهان القاهر أنه لا يمكن تعريف الحقيقة بنفسها، ولا يمكن تعريف حقيقة واجب الوجود بأجزائها، ولما ثبت أنه فرد صمد منزه عن التركب ولا يمكن أيضا تعريفه بما يتركب عن الداخل والخارج لأنه يقتضي كون تلك الماهية متركبة.

ولما بطلت هذه الأقسام الثلاثة لم يبق طريق إلى تعريف تلك الحقيقة إلا بلوازمها وآثارها الظاهرة فكأنه عليه السلام قال: إن كنت من العقلاء وتفهم الكلام وتميز بين الحق والباطل فاعلم أنه لا سبيل إلى تعريف حقيقته إلا بهذا الطريق الذي ذكرت، وهذا آخر هذه المناظرة وهي في غاية الشرف والجلالة.

واعلم أن من فوائد هذه المناظرة أنها تدل على أنه تعالى ليس بجسم ولا بمتحيز [4] ولا بشكل لأنه لو كان كذلك لكان الجواب الكشاف عن الماهية ممكنا فحينئذ يكون جواب موسى عليه السلام باطلا وسؤال فرعون حقا.

(1) الشعراء: (26) .

(2) البقرة: (258) .

(3) الشعراء: (28) .

(4) الحيز عند المتكلمين هو الفارغ المتوهم الذي يملأه شيء ممتد الجسم، أو غير ممتد كالجوهر الفرد، وعند الحكماء هو السطح الباطن من الحاوي المماس للسطح الظاهر من المحوي. راجع: التعريفات للجرجاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت