فهرس الكتاب
أصل اللباس هو الشيء الذي يلبسه الإنسان ويتغطى به فيكون ذلك مغطيا له فلما كان الليل يغشى الناس بظلمته وتغطيهم جعل لباسا لهم والمراد كون الليل ساترا لهم وأما وجه النعمة في ذلك فهو أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العيون إذا أراد هربا من عدو أو بياتا أو إخفاء ما لا يحب الإنسان اطلاع أحد عليه. قال المتنبي [1] :
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تّخبرّ أنّ المانوية تكذب [2]
وأيضا وكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جمالا وتتكامل قوته فبسبب النوم يندفع عنه أذى الحرّ والبرد ويندفع عنه أذى التعب الجسماني وأذى الأفكار الموحشة والنفسانية فلهذا السبب فإن المريض إذا نام في الليل وجد الخفة العظيمة أما قوله تعالى:"وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا"فاعلم أن في المعاش وجهين:
أحدهما: أنه مصدر يقال: عاش يعيش عيشا ومعاشا ومعيشة وعيشة وعلى هذا التقدير لا بد فيه من إضمار والمعنى وجعلنا النهار وقت معاش.
الثاني: أن يكون المعاش مفعلا وظرفا للتعيش وعلى هذا لا حاجة إلى الإضمار ومعنى كون النهار معاشا أن الخلق إنما يمكنهم التقلب في حوائجهم ومكاسبهم في النهار لا في الليل.
(1) أبو الطيب المتنبي: أحمد بن الحسين، الشاعر الحكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي، له الأمثال السائرة، والحكم البالغة، ولد عام (303) هو توفي عام (354) ه، له ديوان شعر طبع مرارا. راجع: معاهد التنصيص (27) : (1) وابن الوردي (29) : (1) .
(2) من قصيدة له يمدح كافورا وكان قد حمل إليه ستمائة دينار.
المانوية: قوم ينسبون إلى"ماني"و هو رجل يقول: الخير من النهار والشر من الليل وانتحل هذا المذهب، فرد عليه المتنبي فقال: كم نعمة للظلمة عندي تبين أن هؤلاء المانوية الذين نسبوا إلى الظلمة الشر كاذبون وليس الأمر على ما قالوه.
التبيان في شرح الديوان، (179) / (1) .