فهرس الكتاب
النوع الرابع: من وجوه دلالة الليل والنهار على الصانع الحكيم قوله تعالى في سورة الفرقان: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا [1] وقال في سورة النبأ: وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا [2] .
أما قوله:"وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا"فقد طعن فيه بعض الملحدة - لعنهم الله - فقال:
السبات هو النوم فيصير التقدير وجعلنا نومكم نوما والجواب عنه أن السبت أصل اللغة هو القطع يقال: سبت الرجل رأسه يسبته سباتا [3] وعند هذا يحتمل الآية وجهين:
الأول: أن يكون المعنى: وجعلنا نومكم منقطعا لا دائما فإن النوم بمقدار الحاجة من أنفع الأشياء وأما دوامه فهو من أضرّ الأشياء فلما كان انقطاعه نعمة عظيمة لا جرم ذكره الله في معرض الأنعام.
الثاني: أن الإنسان إذا تعب ثم نام زال عنه التعب بالنوم فسميت تلك
الإزالة سبتا وقطعا هذا هو المراد من قول ابن قتيبة [4] :"وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا"أي راحة وليس غرضه منه أن السبات اسم للراحة بل المقصود أن التعب يقطع التعب ويزيله فحينئذ تحصل الراحة.
الثالث: قال المبرد: وجعلنا نومكم سباتا أي جعلناه نوما خفيفا يمكنكم دفعه وقطعه تقول العرب: رجل مسبوت إذا كان النوم يغالبه وهو يغالب النوم كأنه قيل: وجعلنا نومكم نوما لطيفا يمكنكم دفعه وما جعلناه غشيا مستوليا عليكم فإن ذلك من الأمراض الشديدة. أما قوله تعالى:"وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا"فقال القفّال:
(1) الفرقان: (47) .
(2) النبأ: (9) - (11) .
(3) في (أ) سبتا.
(4) ابن قتيبة: هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد، من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين، ولد ببغداد عام (213) هو سكن الكوفة ثم ولي القضاء وتوفي ببغداد عام (276) ه، من كتبه: المعارف وأدب الكاتب، والإمامة، والسياسة، ومشكل القرآن. راجع: وفيات الأعيان (251) : (1) ولسان الميزان (357) : (3) .