علم الأصول إنما ثبت قدمه استحال عليه العدم [1] إذا عرفت هذا فنقول: أيها العبد لك أول ولك آخر وكذلك الآخرة لها أول ولا آخر [2] لها فانظر انك كفؤ للدنيا وكفؤ للآخرة فإذا نظرت لا يخفى عليك أنك كفو الآخرة فلما كان الأمر كذلك فالحق سبحانه وتعالى خلق الملائكة للبقاء أبد الآباد في الآخرة وخلقك أيضا للبقاء كذلك أبد الآباد في الآخرة إلا أن إظهار القدرة والرحمة في خلقك للبقاء أتم من إظهارها بسبب خلق الملائكة وذلك لأنها ذوات نورانية مبرأة من الأسقام والإعلال والأمراض فلعله يخطر ببال أحد أن بقاءها إنما كان لكونها صافية نورانية ثم أنه تعالى أزال هذه الخيالات بأن خلقك من أكثف الأشياء وأشدها [3] ظلمة وهو التراب وجعلك محلا للأسقام والإعلال ومنزل الآفات والأمراض ثم جعلك في البقاء الأبدي كفوا للملائكة المقربين ليظهر للخلق أن البقاء لا يحصل إلا بإيجاده وإبداعه.
واعلم أنك قد عرفت أن الدنيا لها أول وآخر وأنها تنقضي ولا تبقى البتة وكما أن من صفتها أنها لا تبقى البتة فكذلك من صفتها أن الإنسان كلما كان أشد قبضا للدنيا وإمساكا كان فوات الدنيا عنه أكبر والدليل عليه أنه تعالى شبه الدنيا بالماء، فقال عز وعلا: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [4] والماء إذا اغترفت منه بقي في يدك فأما إذا قبضت يدك على الماء لم يبق [5] شيء فكلما كان ذلك القبض أشد كان بقاء الماء [6] في الكف أقل وكذلك الدنيا مهما أخذتها
(1) زيادة على الأصل يقتضيها السياق.
(2) في الأصل ولا آخرة.
(3) زيادة يقتضيها السياق.
(4) يونس: (24) .
(5) في الأصل كان عدم بقاء الماء.
(6) في الأصل افترى.