البحث الرابع: في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ) ، فإن قال قائل إنكم فسرتم هذا التكريم بهذه الوجوه إلا أن فيه أشكالا وهو أن بني آدم فيهم المؤمنون وفيهم الكافرون فكيف تليق هذه التشريفات بالكافرين والجواب من وجوه:
الأول: فيه تنبيه على دقيقة لطيفة وهو أن من ليس بمؤمن فكأنه ليس من الأحياء بل ليس من الموجودات.
الثاني: ولقد كرمنا بني آدم معناه ولقد كرمنا من بني آدم كقوله تعالى:
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا [1] .
الثالث: أن تفسير التكريم بالأحوال التي يشترك فيه المؤمن والكافر وهو الصورة الحسنة والقد المستقيم والأغذية اللطيفة وكون جميع المخلوقات مخلوقة لنا وتخص خواص أهل الإيمان بهم وعند هذا نقول: التكريم عام في حق الكل والاصطفاء خاص ألا ترى أنه تعالى قال: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ) وقال: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النّاسِ وقال في حق موسى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ [2] وقال في حق الأمة:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا [3] .
الوجه الرابع: في الجواب: أنه تعالى عم المؤمن والكافر في تسعة أشياء: الخلق والرزق والأقدار وإرسال الرسل وإنزال الكتب والأمر والنهي والترغيب والترهيب ثم خص المؤمن بسبعة أشياء:
(1) الحج: (75) .
(2) الأعراف: (144) .
(3) فاطر: (32) .