المصّة الواحدة فتجرّع هذه المرارة لتصل بعدها إلى الخيرات الجمة الكثيرة فكذا الرب الرحيم سبحانه وتعالى أشفق بعبده منها بابنها أعد لك في الجنان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لكنك لا تصل إليها إلا بتجرع كأس الصبر عن المحرمات ثم تجرع كأس الموت في هذه الدار ثم يطول حبسك في القبر ما شاء الله ثم ينقلك إلى محفل القيامة ثم ينقلك إلى الجنة فكان الموت وتخريب هذا العالم من أعظم النعم في حقك فلهذا المعنى قال تعالى:"اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ".
ومن الآيات الدالة على أن أول الآباء هو آدم عليه السلام قوله تعالى في سورة الأعراف: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها [1] إلا أن فيه إشكالا وهو أن آخر هذه الآية دل على أن هذه النفس الواحدة أقدمت على الشرك حيث قال تعالى: فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ [2] ومعلوم أن الشرك - نعوذ بالله منه - لا يليق بآدم عليه السلام فلا جرم قال المحققون: المراد من هذه النفس الواحدة قصي بن كلاب بن مرة والشرك الصادر منه هو أنه سمى أولاده بعبد مناف وعبد قصي وعبد الدار والله أعلم.
(1) الأعراف: (188) .
(2) الأعراف: (190) .