اللطيفة الثانية: أن الإيجاد يشبه الرحمة والإعدام يشبه الغضب وقد قال تعالى:"سبقت رحمتي غضبي"فلا جرم قدم سورة الإيجاد على سورة الإفناء.
اللطيفة الثالثة: أنه تعالى قال هناك:"الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ"ولم يقل في سورة الحج: ربكم الذي أقام زلزلة الساعة نظيره قوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [1] وقال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [2] وكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ [3] .
فإن قيل: اسم الربوبية منشأ اللطف والرحمة والكرم فكيف يليق بهذه الكلمة التخويف الشديد الحاصل في قوله تعالى:"إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ؟".
قلنا: من تربية المؤدب الرحيم المشفق أن يضرب ولده وأن يهدده حتى يزداد سعيه في طلب المكارم والمعالي وهذا هو الجواب عن سؤال من سأل عن قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [4] فإنه يقال:
إن قوله: سنفرغ لكم أيها الثقلان غاية التهديد وقوله:"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ"* إشارة إلى تعديد الآلاء والنعماء فكيف يليق هذا بذلك؟ لأنا نقول: التهديد من الأب المشفق الرحيم في حق الولد الكسلان المغفل يكون من أعظم النعم.
الوجه الثاني: في الجواب أن المرأة ترضع ولدها أولا سنتين ثم إنها تلطخ حلمة ثديها بالصبر والأشياء المرة ثم يضعها في فم الصبي كأنها تقول: إن لا أفطمك بهذه المرارة شحا عليك وإنما ذلك لغرض آخر وهو أنه خلق لك في الدنيا نعيم لا يحصى ولا يتناهى ولا يتأتى لها إلا بفعل ذلك ولا تنالها إلا بهذه
(1) الأنعام: (54) .
(2) البقرة: (178) .
(3) البقرة: (183) .
(4) الرحمن: (31) .