هيبة إذا قعد على سرير ملكه مع الهيبة والعظمة فإنه يجيء أحدنا من المطبخ أو من الخلاء ملوث اليدين والجناحين فيقعد على وجهه وثيابه ويلطخه ولا يقدرون على الاحتراز منا؟ وقالت الهوام والحشرات إذا قعد أحد في مجلسه وسريره ويجيء أحدنا فيدخل في ثيابه فيفزعه ويزعجه وإذا أراد أن يبطش بنا يصفع نفسه بيده ويلطم خده بكفه وكل ذلك دليل على عجز الإنسان وتمام البيان فيه قوله تعالى:"يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ... إلى قوله ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ"هذا هو الكلام في مراتب خلقة الإنسان عن وجوده وقيل هذه المراتب كلها العجم المحض كما قال تعالى لزكريا عليه السلام: وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا [1] وقال تعالى في أول سورة الإنسان: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [2] فهذه الحياة الدنيوية كانت معدومة من الأزل إلى الآن وستصير معدومة من الأزل إلى الأبد فانظر إلى طول مدة الأزل وطول مدة الأبد ثم انظر إلى هذه الحياة المحفوفة بهذين الطرفين حتى تعرف حقارة هذه الحياة وصغرها وقلتها بلى إن صرفها إلى الطاعات استوجب بها الثواب الأبدي والسعادة السرمدية فحينئذ يكون هذا الحقير عظيما وهذا الصغير كبيرا وبالله التوفيق [3] .
(1) مريم: (9) .
(2) الإنسان: (1) .
(3) السعادة السرمدية في الأصل سعادة السرمدي.