فهرس الكتاب

الصفحة 631 من 866

محل الحوادث وكل ما كان محلا للحوادث فهو حادث فهذه المواد محدثة فهي مخلوقة لله تعالى والله خلقها على العدم المحض والنفي الصرّف فثبت أنه تعالى تارة يحدث الأشياء على العدم المحض والسلب الصرف وتارة يحدث عن بعض الأشياء ثم هاهنا يجب أن يتأمل الإنسان وهو أن كل قادر سوى الله فإنه لا يمكنه التصرف إلا في نوع واحد فالخياط يتصرف في الثياب والحداد يتصرف في الحديد وأما الحق سبحانه وتعالى فهو المتصرف في المعدومات والموجودات على وفق الحكمة ومطابقة المصلحة فمن هاهنا يظهر كمال قدرة الله تعالى ثم ها هنا دقيقة أخرى وهي أنه تعالى إذا خلق شيئا من شيء جعل مرجعه إليه ألا ترى أن الملائكة لما كان أصلهم من النور فهم لما طعنوا في البشر حيث قالوا:

"أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها"لكنهم ما بقوا مستمرين على ذلك الطعن بل رجعوا إلى مقتضى أصلهم وهو النورانية وعادوا إلى الصلح والاستغفار فقال تعالى حكاية عنهم: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ [1] وعيسى عليه السلام لما كان أصله نفخة جبريل صلوات الله عليه لا جرم عاد في الآخرة إلى عالم الأفلاك فقال تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ [2] وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [3] وكذا البشر لما كان أصله من التراب لا جرم في الآخرة يرجعون إلى التراب ويصيرون ترابا كما قال تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [4] وإذا علم العبد أن مصيره إلى التراب والفناء زالت محنة

(1) غافر: (7) .

(2) آل عمران: (55) .

(3) النساء: (159) .

(4) طه: (55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت