فهرس الكتاب

الصفحة 640 من 866

يحصل بين هذين الطبخين طبخ ثالث وهو أن ذلك الدم الصافي يخرج من الكبد ويتوزع في العروق وينطبخ مرة ثالثة في العروق ثم يحصل طبخ رابع وهو أن تلك الدماء المتوزعة في العروق ينصب على جواهر الأعضاء ويتكيف بكيفية طبائع تلك الأعضاء فبعضها يصير متكيفا بكيفية العظم وبعضها بكيفية اللحم وبعضها بكيفية العصب فهذه أربع مراتب في الطبخ. إذا عرفت هذا فنقول: إنه إذا صارت الشهوة مستولية على الإنسان تولدت من تلك الشهوة سخونة منتشرة في جميع الأخلاط والأعضاء ثم بسبب تلك السخونة قد بقي بخار لطيف ورغوة من جميع الأعضاء والأخلاط إنما يرتفع فما حصل عند الهضم الرابع فيتولد من الهضم جوهر سببه بالطبع في العظم ومن اللحم والعروق والأعصاب كذلك ثم إنه كما حصل في تلك الرغوة قوى وطبائع مشابهة لتلك الأعضاء البسيطة فكذلك يحصل فيها قوى وطبائع مشابهة لقوى الأعضاء المركبة فيحصل فيها أجزاء من الدماغ وأجزاء من العين وأجزاء من اليد وأجزاء من الرجل ولهذا المعنى لما سأل اليهود رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم عن سبب مشابهة الولد تارة أباه وأخرى أمه فقال: إن كان الغالب هو ماء الرجل حصلت المشابهة بالأب وإن كان الغالب هو ماء المرأة حصلت المشابهة للأم [1] . ثم إن هذه الرغوة المختلسة من جميع الأعضاء والأبعاض يصعد في العرقين السياسين بأمر الحكيم الخبير إلى الدماغ وذلك لأن الدماغ أشرف الأعضاء للإنسان وهو مسكن القوة المذكرة الحافظة فاقتضت الحكمة الإلهية أن يحصل من خواص الدماغ الذي هو أشرف أعضاء بدن الإنسان في تلك الرغوة أثر وكيفية ثم إنه تعالى خلط بتلك الأجزاء أشياء كثيرة من أجزاء الدماغ ولذلك فإن من باشر كثيرا ظهر أثره على العينين في

(1) هو عند البخاري (( 3938 ) )ومسلم (( 311 ) )من حديث أنس وعند مسلم (( 314 ) )من حديث عائشة بمعناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت