فهرس الكتاب
الفتور والكلال والانكسار ثم إنه سبحانه وتعالى ينزل تلك الأجزاء من الدماغ إلى صلب الرجل وترائب المرأة ثم عند الوقاع ينزل من الصلب والترائب إلى مستقر الرحم فهذا هو المراد من قوله تعالى:"ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ".
واعلم أنّا قد ذكرنا أن هذه النطفة تجري مجرى رغوة ينتقل من الأعضاء بسبب ذوبان يعترض لها عند استيلاء حرارة الشهوة فيكون بعض تلك الأجزاء من ذوبان العظم وبعضها من ذوبان اللحم وبعضها من ذوبان العصب وبعضها من ذوبان العروق ولما كان البدن الإنساني مخلوقا من الطبائع الأربعة كان ذوبانها أيضا كذلك فيكون المني جسما مركبا من أرضية ومائية وهوائية ونارية، فالهوائية والنارية عالية عليها الحرارة ويدل عليه أن بياض الرطوبة إنما يكون بسبب اختلاط الهوائية بها كما يكون في الزبد والأجزاء الكثيفة التي في المني هي مواد الأعضاء والأجزاء اللطيفة هو أن فيه مواد الأرواح وتلك الأجزاء اللطيفة والكثيفة مختلط بعضها إلى بعض ولما كان اللطيف سريع التحلل والتلاشي اقتضت الرحمة الإلهية جعل الأجزاء اللطيفة في الوسط وجعل الأجزاء الكثيفة كالصوان لها فيصير الكل كالكرة المستديرة فيكون باطنها مملوءا من الأجزاء الروحانية اللطيفة وظاهرها من الأجسام الكثيفة وذلك الموضع الذي هو مجمع الأجزاء اللطيفة هو الموضع الذي استحكم وكمل كان قلبا فلهذا المعنى قال العلماء: أول الأعضاء الإنسانية تكونا هو القلب وآخرها موتا هو القلب وعند هذا يظهر أن قطرة النطفة تصير كالكرة ويكون مجمع الأرواح في باطن تلك الكرة هو القلب وحينئذ يحصل هاهنا أحوال عجيبة:
الأول: أن العالم الأصغر الذي هو الإنسان كرة كما أن العالم الأكبر أيضا كرة.
الثاني: أن كرة العالم الأصغر تبقى معلقة في جوّ الرحم يحفظه الخالق العظيم كما أن كرة العالم الأكبر تبقى معلقة في الخلاء الذي لا نهاية له يحفظه