فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 866

الثاني: البيضة إذا انفصلت عن الدجاجة خرج الفرخ عنها وغذت والتقطت من الحب ما ينفعها واحترزت عما يؤذيها وفرقت بين أمها المشغفة بها وبين الهرة الطالبة لإيذائها، أما الإنسان فإنه حال انفصاله عن الأم لا يميز بين النافع والضار والصديق والعدو فكان في هذا الوقت أكثر جهالة من الفرخ عند خروج عن قشر البيضة، ثم أن الأمر لو كان مستمرا على قانون الطبيعة والخاصية وجب أن يكون الفرخ لمّا كان أذكى وأكثر تمييزا في مبدأ الأمر أن يكون الإنسان [1] في مبدأ الأمر أكثر تمييزا من الفرخ أو أن يكون الفرخ أذكى وأكثر تمييزا من الإنسان عند المنتهى والكمال لكنه تعالى قلب هذه القضية فجعل من كان كثير التمييز في أول الأمر قليل التمييز عند الكمال والغاية وجعل الإنسان الذي هو أقل الحيوانات تمييزا في أول الأمر أكثر معرفة وهداية وعقلا ليعرف أن كمال ذلك بحسب القدرة والحكمة والعناية لا بحسب الطبع والعلة والخاصية.

الثالث: أن الصبي بعد الخروج من بطن الأم لما احتاج إلى الغذاء فانظر كيف هداه الله تعالى إلى التقام الثدي ولما كان بدنه نحيفا لا يحتمل الأغذية الكثيفة. انظر كيف دبر له في حلب اللبن اللطيف ثم خلق الثديين وجمع فيهما اللبن اللطيف وأنبت على رأس الثديين حلمتين على قدر ما تنطبق عليه فم الصبي ثم جعل في تلك الحلمة ثقبا ضيقة جدا حتى لا يخرج منه اللبن إلا بعد المص، فإن الطفل لا يقدر على الابتلاع أن لو خرج من الثدي لبنا كثيرا في فمه بالمص، ثم انظر إلى عناية لطف الله تعالى كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع على الرفق ثم إنه سبحانه وتعالى أخر خلق الأسنان إلى تمام الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن

(1) أن يكون الإنسان في الأصل: أن يكون أكثر تمييزا من الإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت