بين الصنع بالقلم وبين الحائط على ترتيب مخصوص فإذا كان هذا القدر من العمل سببا للاعتراف لذلك النقاش بالعلم والحكمة فبأن نستدل بظهور تركيب الإنسان وتخليقه على جلالة علم الخالق ونهاية قدرته وحكمته كان أولى.
الوجه السادس: انظر مع كمال قدرته إلى تمام حكمته وذلك لأن الجنين حينما يكون في الرحم يكون بعض أعضائه مضموما إلى البعض ويكون مجموعه كالكرة الموضوعة في كيس الرحم وذلك لأنه قد يكون ضمّ فخذيه إلى صدره ووضع راحتيه إلى ركبتيه ووضع رأسه على ركبتيه فتكون عيناه على ظهر كفيه ويكون أنفه بين الركبتين ويكون جالسا على رجليه ومعتمدا على عقبيه كالشخص المتفكر المغموم المهموم المنتظر لورود الأمر عليه ويكون وجهه إلى ظهر أمه حماية للقلب، وهذه الجلسة أيضا أوفق للانقلاب ثم إذا صار الجنين كبيرا وضاق عليه الموضع فإنه سبحانه وتعالى يلهمه إلى كيفية الخروج فينتكس ويعين على الانقلاب ثقل الأعالي في الجنين،. ثم في ذلك الوقت ينفتح الرحم الانفتاح الذي لا يمكن أن يتخيل في مثله مثله، ولا بد من انفصال بعض المفاصل العظيمة وذلك مدد وعناية من الله تعالى في ذلك الوقت يعجز عن معرفة كيفيتها العقول البشرية ثم هاهنا أحوال عجيبة:
الأول: أن الجنين كان في البطن أيده الحق سبحانه وتعالى بالإلهام حتى عرف أن مصلحته عند الخروج في أن ينقلب وينتكس ثم بعد الانفصال من البطن والخروج إلى الدنيا لا يهتدي البتة إلى شيء من مصالحه وذلك لأن عند كونه في البطن ليس هناك من يعينه على شيء من مصالحه ولما خرج إلى الدنيا فها هنا له من يعينه على رعاية مصالحه فلا جرم انقطعت تلك الهداية وهذا يدل على أن الإنسان كلما كان أشد عجزا وقصورا كانت عناية الله به أتم ولا شك أن عجز الخلق في موقف القيامة أشد وأكمل فنرجو من الله تعالى أن تكون عنايته بهم في ذلك الوقت أتم