وقد لاح بتوفيق اللَّه في هذه الآية. فلما كان القسم الأول نادرا جدا وكان الغالب هو القسم الثاني لا جرم أمر الكل في أكثر الآيات بالطلب والاكتساب فقال أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها [1] فإن قوله أو لم يسيروا في الأرض حث على الطلب والجهد في الكسب وقال صاحب المنطق أن القسم الأول وإن كان غنيا عن الاستعانة بالمنطق إلا أنه نادر جدا والغلبة للقسم الثاني وكلهم محتاجون إلى المنطق فانظر إلى هذه الأسرار العميقة كيف تجدها مدرجة في ألفاظ القرآن.
الحجة الثالثة: الآيات الدالة على أن استحقاق الجزاء ليس الأعلى ما في القلب من المساعي فقال تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [2] وقال تعالى لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [3] ثم بين تعالى في آية أخرى أن التقوى بالقلب فقال أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى [4] وقال تعالى وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ. [5]
الحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن أهل النار وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ [6] وستعرف أن العقل في القلب وأن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ومعلوم أن السمع والبصر لا فائدة
(1) الحج: (46) .
(2) البقرة: (255) .
(3) الحج: (37) .
(4) الحجرات: (3) .
(5) العاديات: (10) .
(6) الملك: (10) .