فهرس الكتاب

الصفحة 735 من 866

وعند فتح العينين يكون جاهلا بأمه والأم مع ذلك تراعي مصالحه لعلمها بأنه ما حان أوان قدرته على التمييز بين المحسن والمسيء ثم لا يزال الطفل ينظر إليها إلى أن يميز بين الأم وغيرها ثم إذا واظب على النظر ألف النظر والإبصار حتى يصير بحيث لا يمكنه أن لا ينظر إلى شيء. إذا عرفت هذه المراتب في العين الظاهرة عرفت مثلها في العين الباطنة فقي أول الأمر يكون عين القلب منطبقا ثم ينفتح ولكنه لا يقدر على أن يميز بين الخير والشر ثم لا يزال ينظر بعين عقله إلى أن يصير بحيث يدرك الفرق بين المحسن والمسيء فيعرف أن المحسن هو الحق وأن ما سواه فهو سبب الضرر ثم إذا واظب على هذا النظر صار بحيث لا يمكنه أن يصبر عن نظر العقل وكما أن الأم تعذر الطفل في أول عمره عن التمييز بينها وبين غيرها فكذا الحق هاهنا يعذر الإنسان في أول عمره أن لا يعرف ربه وذلك سن ما قبل البلوغ ثم إذا واظب على النظر في أفعال اللَّه وآثار حكمته في مخلوقاته حصل له عشق ومحبة مع هذا النظر فلا يرى شيئا بعقله إلا وتنتقل منه إلى مبدئه وغايته أما المبدأ فهو قدرة الحق وإما الغاية فهي حكمة الحق فيصير بحيث لا يرى شيئا إلا ويرى اللَّه بعده وحينئذ يستنير السر كما يستنير القمر بمقابلة الشمس والقلب في هذا المقام قد استلذ بالنظر وألفه فلا جرم أن يقلب الفؤاد والقلب حدقه من منظور إلى منظور وقد كان للقلب قبل ذلك عين واحدة وأما الآن فقد صارت كل ذرة من ذرات المبدعات والكائنات عينا للقلب وذلك لأن العالم كله يصير مرآة للقلب والمرآة للعين بمنزلة بصر زائد فإنه يرى بها ما لا يراه بدونها فعند ذلك يصير كل ذرة من ذرات الممكنات عينا له، والعين ينبوع النور فيصير كل العالم ينبوع النور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت