كثيفة ومواضع حريزة. وأما في أجواف الحيوانات في جميع أجزاء أبدانها قوى حادثة يمتص الرطوبة المغذية لأبدانها ولم يحوجها إلى الطلب ولا إلى الهرب فسبحان الخالق العظيم الذي أعطى كل شيء مصلحته؟! وروى أن الليلة التي أوحى فيها إلى موسى عليه السلام كان قلب موسى متعلقا بأحوال زوجته فأوحى اللَّه تعالى إليه أن اضرب بعصاك على تلك الحجرة فضرب فخرج منها حجر آخر ثم ضرب العصا عليه فخرج منه حجر آخر فضرب العصا عليه فخرج منه دودة في غاية الصغر وفي فمها مقدار ذرة من ورق الشجر فرفع اللَّه الحجاب عن موسى فكان يقول سبحان من يراني ويسمع كلامي ويذكرني ولا ينساني في بعد مكاني.
الوجه الثاني: في الاستدلال بهذه الحيوانات أن نقول هذه الحيوانات كثيرة جدا ويقال أن حيوانات البحر ستمائة نوع وحيوانات البر خمسمائة نوع، واحد منها هو البشر وإذا كان كذلك فكيف يمكن الاطلاع على أحوالها وعجائب صفاتها إلا أن وجه الاستدلال بها على الصانع الحكيم ظاهر وذلك لأنه لو كان السبب لوجودها هو تركيب الطبائع وتأثير الأفلاك والكواكب فذلك بالنسبة إلى الكل على السوية بل صريح العقل يشهد بان اختصاص كل واحد منها بماله من الأعضاء والقوي والصفات والأشكال لا بد وأن يكون لتدبيرها مدبر قادر حكيم يخلق الأشياء بقدرته وتدبرها بحكمته.
واعلم أنه تعالى قد نبه في القرآن على عجز البشر عن معرفة أحوال الحيوانات في آيات إحداها أنه تعالى لما شرح أحوال الحيوانات في سورة النحل في قوله وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ [1] إلى قوله وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها
(1) النحل: (5) .