الرابع: خلق في رأسها الفم وأودع فيها القوة الذائقة ولذلك فإن البعوض ترغب في بعض الطعوم دون البعض ولولا القوة الذائقة لما كان الأمر كذلك.
الخامس: أنه تعالى أودع في بدنها القوة اللامسة ولذلك فإنها تهرب من الحر الشديد والبرد الشديد.
السادس: أنه تعالى خلق في رأسها قوة الحفظ ولولاها لما ميّزت بين ما ينفعها وبين ما يضرها وخلق أيضا فيها قوة الفكر ولولاها لما عرفت وجوب الفرار عند مجيء اليد وخلق فيها قوة الذكر ولولاها لما ميزت بين المعاني النافعة والضارة فانظر الآن إلى رأس البعوضة كم يكون مقدار ذلك الجرم. ثم إنه سبحانه قسم ذلك الجرم الصغير إلى أجزاء كثيرة وأودع في كل واحد من تلك الأقسام خاصية معينة فهذا عيناه وهذا أنفه وهذا أذناه وهذا دماغه الذي فيه قوة الحفظ وهذا وسط دماغه الذي فيه الفكر وهذا مؤخر دماغه الذي فيه قوة الذكر. ثم لا شك أنه تعالى خلق له منفذ الغذاء ومخرج الفضلة ومتى كان الأمر كذلك فقد خلق له جوفا وأمعاء، وعروقا وعظاما فيخطر ببال العاقل السليم العقل أن يسند هذه التأثيرات العجيبة والتصرفات البديعة إلى الطبيعة مع أنها قوة لا شعور لها بشئ من الأشياء ولا تمييز لها في حال من الأحوال هذا مما لا يقول عاقل بل شواهد الفطر وصرائح الأفكار ينادي بأعلى صوتها على أنها إنما حدثت بتدبير من لا يعزب عن علمه وقدرته وحكمته ذرة من الأرضين والسماوات له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
يا من يرى مد البعوض جناحه ... في ظلمة الليل البهيم الأليل
ويرى عروق نباطه في نحره ... والمخ في العظم النحل
اغفر لعبد تاب من فرطاته ... ما كان منه في الزمان الأول