فهرس الكتاب

الصفحة 773 من 866

الإنسان ضرب يده عليها وعجزت عن الطيران بسبب ثقلها فبقيت هناك وتصل اليد إليها وتموت وهذا فيه تنبيه عظيم للإنسان على أحوال دنياه وآخراه، أما الدنيا فلأن الاستكثار من اللذات والشهوات سبب للوقوع في المحن والآفات. وأما الآخرة فلأن الإنسان إذا كان خفيفا قليل العلائق فإذا وصل إليه نداء قوله ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ [1] طار من وكر مكر الدنيا إلى عش الآخرة، أما إذا كان ثقيلا من حب الدنيا عجز عن الطيران فبقي في هاوية الجسمانيات وظلمات الخيالات كما قال في صفتهم ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [2] .

العاشر: تأمل في رأس البعوضة ووجهها فإنها مع غاية صغرها قد جعلها الله تعالى منقسما إلى أقسام كثيرة وأودع في كل من تلك الأقسام خاصة معينة وقوة معينة وذلك لأنه تعالى خلق في رأس البعوضة عينين وأودع فيهما قوة باصرة أكمل ممّا للإنسان ويدل عليه وجهان:

الأول: أنها تبصر في الظلمة الشديدة الموضع الذي منه يمكنها مص الدم.

الثاني: أنها تبصر مسام جلد الإنسان ولذلك فإنها إذا وجدت بها غوّصت خرطومها فيها والإنسان لا يرى ذلك البتة. وأيضا أنه تعالى خلق في رأسها أذنين وأودع فيها قوة سامعة أقوى مما للإنسان ولذلك فإنها تسمع في الظلمة حفيف اليد مع أن الإنسان البتة لا يسمعها.

الثالث: أنه خلق في رأسها قوة الشمّ ولذلك فإنها تحسّ بوقوع الجيفة من المكان البعيد ولولا ذلك لما عرفت ذلك.

(1) الفجر: (28) .

(2) السجدة: (12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت