حالة أخرى أعجب من كل ما تقدم وهو أن جثة البعوضة في غاية الصغر وخرطومها أصغر منها ورأس الخرطوم أصغر من ذلك الخرطوم والسم الذي في رأس ذلك الخرطوم أصغر لا محالة من رأس ذلك الخرطوم ثم إن البعوضة إذا وضعت رأس خرطومها على موضع من بدن الإنسان فإنه لا ينضب جميع ما معها من السمّ فاذا عضت موضعا آخر حصل فيه مثل ذلك الألم فعلمنا أنه لا ينضب من السمّ الذي في رأس خرطوم البعوضة إلا القليل وأما الأكثر فيبقى فتأمل أن ذلك الذي تنصب منه على بدن الإنسان كم تقل [1] وتصغر فلعله جوهر فرد وجزء لا يتجزأ في علم الله تعالى ثم أنه سبحانه قد أودع في ذلك الجزء والقليل من الخاصية والقوة ما يزعج الفيل وتقلقه وتجعله مضطربا متجزئا. ثم أنه تعالى ما أودع تلك القوة الشديدة في سم البعوضة إلا ليعينها على إصلاح غذائها ونظم معيشتها وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم يشهد بأن هذا لا يكون إلا من تدبير مدبر عالم بجميع الكليات والجزئيات قادر على جميع الكائنات والممكنات.
الثامن: تأمل في حال البعوضة فاذا وقعت على عضو الإنسان اعتمدت على ما لها من الأيدي والأرجل وغوّصت خرطومها في الجلد فاذا أحست لمجيء اليد أخرجت ذلك الخرطوم في ذلك على أسهل الوجوه وطارت قبل وصول اليد إليها، ولو أن الإنسان جعل إبرة أو مسلة في جرم غليظ فإنه لا يمكنه أن يخرجها منه إلا بعد تعب شديد.
التاسع: تأمل أيضا حالها فإذا وجدت الفرصة والمهلة مصتّ دما كثيرا إلى أن ينشق ويموت وربما مصت إلى حيث يعجز عن الطيران فإذا حاول
(1) تقل في مكانها فراغ من المخطوط.