الصغيرة الحقيرة ثم جعلها أسبابا للأمور العظيمة ليعلم الخلق أن الأمر بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ومن عجائب أحوال العنكبوت أنه إذا أراد أن يبني بيتا طلب زاوية يحيط بها ضلعان ثم يبتدئ فيلقي اللعاب الذي هو خيطه على جانب ليلتصق به ثم يعدو إلى الجانب الآخر فيلتصق بطرف الآخر من الخيط ثم لا يزال يذهب ويجيء ثانيا وثالثا على تناسب مخصوص ثم إذا أحكم الخيط كالسدى اشتغل باللحمة ويضيف البعض إلى البعض على مناسبة هندسية ثم يهيء شبكة يقع فيها البق والذباب ثم يعقد في زاوية مترصدا لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع الصيد فيها بادر إلى أخذه فإن عجز عن الصيد بهذا الطريق طلب لنفسه زاوية من حائط ووصل بين طرفي الزاوية بخيط رفيع ثم علق نفسه بخيط آخر. وبقي منتكسا في الهواء ينتظر ذبابة فإذا طارت الذبابة رمى نفسه إليها فأخذها وربط خيطه على رجليها وأحكمها. ثم ما من حيوان صغير ولا كبير إلا وفيه من هذه العجائب ما لا يحصى افترى أنه يعلم الصنعة من قبل نفسه أو بتعليم آدمي؟ بل هذا من الإلهامات الربانية والهدايات الرحمانية. وأما النمل فقال الله تعالى في حقها في سورة النمل في قصة سليمان عليه السلام حَتّى إِذا أَتَوْا عَلى ادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [1] .
قال المفسرون: وادي النمل واد بالسلم كثير النمل فإن قيل لم عدّى أتوا بعلى، قلنا لوجهين: الأول أن أبياتهم كان من فوق فأتى بحرف الاستعلاء.
الثاني: أنه يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم أتى على الشيء إذا بلغ
(1) الآية: (18) .